قلت: ولا يخفى ضعفه. ثم على مقتضى استدلاله بهذا الحديث الكريم لا فرق بين الملبوس والمنسوج, وكذا يستدل أيضا بالحلل التي اهديت له صلى الله عليه وسلم يقول في مثلها إنما يلبس هذه من لا خلاق له. وليس امتناعه من لبسها لنجاستها بل لأنها من حرير. وهذا الحديث الصحيح. وكذلك ما وقع من ذلك مع علي أيضا, وأن عليا لبس ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم, وأنكر عليه صلى الله عليه وسلم لبسها لا لنجاستها أيضا بل لكونها من حرير, ولذا أمره بالانتفاع بها في غير لبسه. قال رضي الله عنه وشققتها خمرا بين الفواطم. والظاهر من هذه الحلل في حديث عمر وعلي رضي الله عنهما أنه من نسج الكفار, إ لم يكن ذلك من صناعة المسلمين في ذلك الوقت.
وفي العتبية: وسئل عن الرجل يشتري من النصراني الخفين يلبسهما, قال لا. قيل له: فثوبه؟ قال: الذي يلبسه؟ قال نعم, قال لا حتى يغسله, قال فما ينسجون؟ فإنهم يبلون الخمر ويحكونها بأيديهم ويسقون بها الثياب قبل أن تنسج وهم أهل نجاسة, قال لا بأس بذلك, لم يزل الناس يلبسونه. انتهى.
وفي المختصر قال مالك: ولا بأس بالثوب الجديد يشترى من النصراني يصلى فيه إلا أن يكون كان لبسه, ولا يصلي بخف النصراني, إذا كان يلبسه, فإن فعل شيءا من ذلك فليعد في الوقت. وإنما يجوز شراؤه ولبسه من ثياب يحيكونها ويبيعونها, ولا بأس بلبس الثياب التي يسقونها للحوك الخمر وإن بلوه بأيديهم لأن الناس لم يزالوا يلبسونها انتهى. ونقله في النوادر مختصرا, وزاد عن محمد بن عبد الحكم أنه يصلي بما لبسه النصراني. وقال ابن رشد في البيان: لا فرق بين ما نسجوه أو لبسوه في القياس وإنما هو الاتباع. وقد أجاز محمد بن عبد الحكم أن يصلي فيمالبسه النصراني. ووجهه حمله على الطهارة حتى توقن نجاسته خلاف مذهب مالك. ومعنى ذلك عندي فيما لم يطل لبسه اياه, لأن الغالب على الظن مع الطول نجاسته.
[
ولا ضمان علي المأمور ,وقال من خالف انما يسعه ذلك ما دام حاضرا عند
الامر, فأما أن ارسله ليفعل ذلك فخاف إن طفر بة ان يفعل بة ما يهدده به
فلا يسعه ان يفعل ذلك , إلا أن يكون معه رسول الامر فخاف أ، يرده الية
إن لم يفعل , فيكون كالحاضر سواء, قال أبو محمد :وإنما ينطر ف هذا إن كان
المكرة يرجو الخلاص إن لم يفعل فلا يسعه أن يفعل كان معه رسول أو لم
يكن, وان كان لا يأمن نزول الفعل به وسعه أن يفعل كان معه رسول أو لم
يكن انته . وانطر تمام كلامه...
وقال في أول كتاب الاكراه : قال محمد وقال سحنون وغيره من أصحابنا
إذا أكره بوعيد بقتل أو قطع عضو أو ضرب يخاف منه تلف بعض أعضائه ولا
يخاف تلف نفسه أو بقيد أو بسجن علي أن يكفر بالله أو يشتم النبي صلي
الله عليه وسلم أو يقذف مسلما لم يسعه ذلك , وإنما يسعه ذلك مع خوف
القتل لا بغير ذلك , وله أن يصبر حتي يقتل ولا يفعل ذلك وهو مأجور وهو
أفضل له , قال سحنون وكذلك لو أكره بما ذكرنا علي أكل الميتة ولحم
الخنزير وشرب الخمر لم يسعه أن يفعل ذلك الا لخوف القتل فقط وذكر ابن..
[106/2]
[107/2]
سحنون أن اصحابنا وغيرهم أجمعو علي أنه لا يسعه قتل غيرة من المسلمين
ولا قطع يدة بالاكراه , ولا أن يزني . وأما علي قطع يد نفسه فيسعه ذلك
انتهي...
فتعبيرهم في مسألة الاكراه عل أخذ مال الغير بقوله يسعه ذلك , وكذا
في جميع الباب , إنما يقتضي أصل جواز الفعل لا وجوبه , بل صرح سحنون
أنه ان أكره عل قذف مسلم بالقتل فله أن يصبر حتي يقتل وهو مأجور وذلك
أفضل له , وإذا كان هذا في القذف ففي المال أحري لقوله صلي الله عليه
وسلم في حجة الوداع " ألا ان دمائكم وأموالكم وأعراضكم " وفي بعض
الروايات أحسبه قال " وأعراضكم عليكم حرام " الحديث . وكذا قوله صلي الله
عليه وسلم " أمرت أن يقاتل الناس حتي يقولو لا اله الا الله فإذا قالوها
عصمو مني دمائهم وأموالهم الإ بحقها وحسابهم علي الله " , فذكر المال في
*وسئل الفقيه أبو الفض راشد بما نصه : يا سيدي رضي الله عنكم ، وأبقى المعارف قريرة العين ببقائكم ، الجواب في مسألة رجل من بادية هذه المدينة حرسها الله تعالى ، توجه من موضعه بالبادية المذكورة في جماعة من قبيله وبني عمه إلى قبيل آخر ، فهربوا منه بصبية بكر يتيمة إلى موضع الرجل المذكور ، فثقفها قاضي موضع ذلك الرجل عنده أياما كثيرة ، ثم كتب القاضي الذي كان بهذه المدينة قبل هذا إلى قاضي الموضع المذكور كتابا بعد كتاب ، كل ذلك يأمره أن يصل بالصبية المذكورة إلى المدينة لينظر في أمرها ، فلم يصل حتى كتب ابن أبي أحمس الحدودي كتابا ، وكتب إليه حافظ قبيله أيضا كتابا ، وحينئذ وصل بالصبية المذكورة ، فسأله قاضي المدينة المذكورة عن مسألتها ، فقال : إنها لما وصلت إلي ، أمرت بثقفيها حتى آمنت في نفسها ، وتزوجت الرجل الهارب بها تزويجا صحيحا ، واستظهر برسم يقتضي عقد النكاح بينهما على ما وصف ، فذكرت الصبية المذكورة أنها كانت مقهورة في نفسها عند قاضي الموذع المذكور ، وأنه مال في قضيتها مع الهارب بها لكونه ابن عمه وأنه والي بذلك قبيله ، هذا نص قول الصبية ، ثم استظهرت برسم يقتضي استصحاب الغصب عليها إلى حين عقد الإشهاد عليها بالنكاح ، وعليه خطاب قاضي بلدامان ، وكلا القاضيين ممن جرت العادة بقبولهما ممن[83/3]لم يؤخذ قد في ريبة ، إلا أنهما ظهر منهما في هذه المسألة ميل من كون كل واحد منهما حريصا على قبول قوله فيها والعمل به ، وكل واحد منهما انضاف إلى من يعضده في المسألة ويقوي حجته ، حتى إن كل واحد منهما لو وجد أن يحارب الآخر لحاربه ، ومع أنهما كما عرفتم لم تظهر لواحد منهما قط جرحة ، إلا أنه ظهر لي فيهما ما ذكرته لكم وتبين لكم وتبين عندي ، ولكن قاضي موضع الهارب المذكور ، كان كتب له أن لا يحدث في القضية حدثا حتى يصل بالصبية فلم يفعل ، فرأى مجلكم مع هذا كله طرح خطابهما معا في هذه القضية ، وترك
فامتنعوا، فقال الرجل المذكور لزوجته أم الأولاد المذكورين: إن ا‘طيت لهم الخبز في هذا البيت هي طلقتك وخروجك من هذا البيت، فبقي الأولاد المذكورون إلى اليوم الثاني من ذلك اليوم، فأتوا أمهم في غيبية ابيهم فاستطعموها، فطبخت لهم الخبز وأكلوا ثم ذهبوا للزرع وسقوه، فقدم الرجل والدهم المذكور، فقال لزوجه: قومي الحقي بأهلك، فلما الذي ترلاون عليه من ذلك كله؟ بينوه لنا مأجورين.
فأجاب:: أكرمكم الله تعالى، إن كان الأمر كما ذكرتموه فالطلاق لازم للرجل بأكل أولاده الخبز في بيته، وقد كان علق طلاق زوجته بذلك، وهو على ما نوى من واحدة أو اثنتين أو ثلاث، واختلف هل يحلف على نيته فيما دون الثالث، فقال مالك في كتاب المدنيين: تلزمه اليمين، وقال ابن القاسم: لا يمين عليه، وأما قوله بعد ذلك: ألحقي بأهلك، فلا شيء عليه به ما لم ينو به الطلاق، فإن نواه فيحلف على ما نوى، وإن نوى به الطلاق ولم ينو عددا منه، فقال أصبغ: تلزمه الثالث، وبالله تعالى التوفيق وعليه التكلان، وكتب حامدا مصليا مسلما على من يقف عليه محمد بن يعقوب البطوئي خار الله له.
[العادة والعرف يخصصان ما أبهمه المتعاقدان]
وسئل الفقيه سيدي عبد العزيز القيراوني عن امرأة ضعيفة من أهل البادية كانت خالعت زوجها وتحملت له بمؤن حمل إن ظهر إلى وضعه، وبعد الوضع على سقوط ذلك عنه، فتزيد لها منه ولد، وأرضعته نحوا من عام، ثم لحقتها الضيعة، وأحبت أن تتزوج فتعرض لها مفارقها، فقال: لا تتزوج إلا برضاي، فإن وقف مع ظاهر رسم الخلع فإنما تحملت له بالمؤن، وليس الرضاع بمتعلق بها نفسها، كمسألة كتاب الجعل والإجارة في مسألة الظئر، وإن نظرت إلى العرف فيما يقصدون إلا انها ترضعه بنفسها، وهل يترجح قول أصبغ إن قلنا إن الخلاف يدخل المسألة لأجل حاجتا ومسكنتها والله تعالى يتولاكم، وكتب محبكم محمد بن أحمد بن أبي بكر والسلام عليكم ورحمة الله.
وسئل عنها أيضا فقيل له فكيف إذا كان مخلوطا ومتغيرا بالغبار ونحوه فهل يجوز بيعه قبل أن يغربل أم لا يجوز بيعه حتى يغربل؟
فأجاب: إذا كان الغبار قليلا جاز بيعه، وإن كان كثيرا فلا يجوز البيع.
[بيع الجزاف وما يشترط فيه]
وسئل عن بيع الجزاف هل لا بد أن يكون المتبايعان عارفين بالحزر والتخمين أو لا يلزمهما ذلك؟ فإن قلتم لا بد فهل ذلك فيما يباع جزافا أم لا؟
فإن قلتم في كل ما يباع جزافا فهل يدخل في ذلك حزر الصوف والحديد والنحاس وكذلك اللحم يباع عندنا أكداسا على بساط أو على حجر فهل يجتزئ بالنظر إليه بقصد القلة والكثرة دون ما فيه من الوزن أم لا؟
فأجاب: من شرط البيع العلم بالمقدار والعلم يكون بالكيل والوزن والعدد وكل ما يوزن أو يكال يصح فيه الجزاف، وشروطه أن يكون المتبايعان عارفين بالحزر والتخمين وما جرت به العادة يبيعونه من غير وزن وهو مما الأصل فيه بيعه بالوزن، وقال بعض الأشياخ من شرطه أن يعرف قدره بما اشتراه قبله فيقول هذا مثل ما اشتريت قبل هذا بكذا، وقال مثل هذا الشيخ اللخمي في آخر كتاب الغرر من تبصرته.
[بقية من المسألة السابقة]
وسئل بأن قيل له: قد قلتم من شرط بيع الجزاف أن يكون المتبايعان عارفين بالحزر والتخمين فهذا إذا كانا عالمين لا بد أن يلفظ كل منهما بما انتهى علمه إليه من حزر ذلك البيع، إما على تقدير الكيل إن كان ذلك مما يكال أو الوزن إن كان مما يوزن أو لا يلزمهما التلفظ بل يصح ذلك على المساكنة إذا عرف وجه الحزر.
[92/5]
فأجاب: لا يجب إعلام كل واحد منهما صاحبه بما حزر به والله أعلم.
[هل يجوز بيع ثور ونحوه إلى أجل على أن يتولى المشتري مؤونته]
وأما السمسرة فإن اشترطها البائع على المبتاع أو كانت عليه بالعادة، فلا يلزمه البيان. وإن لم تكن عليه وتبرع بها فليبين ويذكر ما يدفع للبائع تفصيلا. وإذا قيل إن درهم الفائد للبائع، فقد كره في المرابحة وإن أسقط عن المشتري بجاه أعطى البائع، وإن قال المشتري للبائع أنا أؤدي درهم الفائد عنك كان للمشتري أداؤه وإسقاطه.
[اختلف في التصيير هل هو بيع أم لا؟]
وسئل أبو الحسن الصغير، عمن صير لابنه الصغير داره الكائنة بمدينة فاس في دين، والمصير له بسجلماسة وللمصير وكيل بفاس، يقبض كراء الدار، فبقي الوكيل يقبض الكراء على ما كان عليه مع المصير، لكونه لم يعلم بتصييرها فمات المصير هل تبطل أم لا؟
فأجاب بأن التصيير فيه قولان: هل يحتاج إلى حوز أم لا؟ فإن قلنا هو بيع لم يحتج إلى حوز، وعلى القول أنه يحتاج إلى الحوز، فللأدب يحوز
[109/6]
لابنه ما يعرف بعينه، ولا يضره كونها بيد الوكيل، لأن يده كيد المصير أو كيد المودع المختلف في حوزه.
[من باع من الورثة أكثر من حظه]
وسئل عمن ورثه: زوجه وأربعة من البنين ذكور ورثوا دارا فباع أحد البنين مع الزوجة وهما رشيدان الثلثين من الدار تعديا على الزائد وقدم القاضي مقدما أثبت موجبات بيع حظوظ المحاجير ليشتري بها فدانا هو أعود عليهم من الحظوظ المذكورة في الدار المذكورة. وكتب أنه باع حظوظهم من المشتري من المرشدين ولم يتبين مقدارها. وقبض المقدم الثمن ولم يشتر به فدانا ولا يغره، ولا علم أين صرف الثمن.
93/7] مستقلين بذلك ومنفردين به, وبمقتضى الأمر الكريم في سائرها مشتركين مع الأشياخ في النظر في سائرها مما لم يسند فيها النظر لهم ولا لغيرهم لوجوه النظر بمقتضى الأمر الكريم , ثم إن الخطباء والأشياخ الناظرين المذكورين تفاوضوا مع القاضي في تقديم ناظر في الأحباس على العادة في ذلك, ووقع اتفاق الجميع على تقديم من رضوا إمامته وثقته وعدالته وأنفذوا تقديمه, وقبل التقديم وتولى النظر في ذلك أشهرا ثم إن القاضي وبعض المقدمين المذكورين عزلوا المقدم عوضا منه شخصا آخر مستبدين بذلك ولم يوافق سائر الناظرين على هذا العزل ولا على هذا التقديم بعده, إذ لم يظهر لذلك موجب يقتضي ذلك عندهم, ولا ثبت في ذلك موجب يقتضي عزل من عزل ولا تقديم من قدم, فهل ينفذ فعل هؤلاء الذين عزلوا وقدموا فيما أنفذوه من العزل والتقديم من غير موافقة الناظرين عليه أو ثبوت موجب يقتضي ذلك بعد الإعذار فيه لمن يجب على مقتضى الشرع ؟ بينوا لنا وجه الحكم في ذلك.
فأجاب: وقفت على السؤال المكتتب, والحكم في ذلك أن لا ينفذ حكم عزل من اتفق الناظرون المذكورون على تقديمه إلا باتفاقهم على عزله, أو ثبوت موجب العزل عند من يجب, والإعذار إلى كل من الناظرين وعجزه عن المرجع فيما ثبت فيعزل حينئذ بالحكم, لأن الناظرين فيما إليهما النظر فيه كالوصيين فيما أسند إليهما, وقد قال فقهاء المذهب: من أوصى إلى وصيين لم يجز فعل أحدهما في بيع ولا شراء ولا عقد نكاح حتى يظهر معه صاحبه, إلا أن يوكله أو يفوض إليه, قاله الشيخ أبو عمر بن عبد البر في كتابه "الكافي" ومثله في الدواوين المذهبية, ومن المعلوم أن إسناد المحبس النظر في حبسه إلى ناظرين, من باب العهد إلى وصيين, ويلحق بذلك الأوامر السلطانية المقتضية للتشريك في نظر, فإن مصرف القضاء بالتشريك إنما هو لتوثيقه في تحصيل الإصابة بتعدد الموافقة.
[جواز تعويض نصف دار إذا خيف عليه الهدم]
فسئل الفقيه أبومهدي بن علال عن ذلك فقال لا يلزم ولا يجب على الوصي أن يشتري أو يتجر لأنه لم يدخل على ذلك، فتردد إلى الفقيه فقال له نعم وإن كان لا يلزمه ذلك، فللقاضي أو للقائم أن يتناول مؤونة الشراء ويجبر على دفع المال في المشترى بعد أن يثبت فيه النظر والسداد، بدليل أنه إذا لم يأخذ له ثم رشد فله القيام بعد ذلك إن كان له يوم وجوب الشفعة مال، أما إن لم يكن له مال في خلال تلك السنة كلها فلا قيام له بعد ذلك، لأنه يقال حين وجبت لك لم يكن لك حينئذ ما تشفع به.
[المعتبر في السداد عند ابن رشد يوم النظر لا يوم الوقوع]
وانظر المهمل إذا قام به بعد الرشد ولم يكن له يوم وجوب الشفعة مال هل يكون له الأخذ بها أم لا؟ وهذا مبني على أصل مختلف فيه، وهو ما المعتبر في مراعاة السداد والنظر؟ هل يوم الوقوع أو يوم النظر في ذلك؟ حكى ابن رشد في التخيير والتمليك في خلع السفيه أن المشهور اعتبار يوم النظر لا يوم الوقوع وهو غريب فاستحضره!
[كل يمين يتوقع عدم إفادتها فللحالف أن يتوقف عنها]
وسئل بعض الشيوخ عمن اشترى شقصا بمائة وزعم الشفيع حين أراد
[94/8]
[95/8]الأخذ بالشفعة أنه مشترى بخمسين وإنما ذكر المشتري مائة ليسقط شفعته.
وسئل ابن رشد رحمه الله عن رجل معروف بتضييع البحار له سافر إلى بعض بلاد المغرب فتوفي هنالك وترك دنانير ولم يوص بشيء فقام جماعة يطلبونه ببضائع وجهوها معه وأثبت بعضهم أنه يعلم شريكا له ولا يعلم انفصاله عنه ولم يجدوا الشركة ولا عرف صورتها وأثبت بعضهم إقرار الميت بأنه وجه معه في تلك السفرة متاعا ولبعضهم أنه باع له متاعا يسيرا وثبت ليعضهم دين قبله وله عقار بالحضرة. بين لنا ما يجب في هذا كله وكيف يكون الحكم فيما شهد لهؤلاء به ومن شهد له بالشركة ومن شهد له بإقراره أو توجيهه معه المتاع؟ وهل يدخل أصحاب الدين مع أصحاب البضائع في المال الذي كان بيده؟ أو هل يدخل أصحاب البضائع في أثمان عقاره
[104/9] وأصوله لا سيما أنه لم يوص بأموالهم ولا عرف عند من تركها؟ بين لنا ذلك ليعتمد على رأيك السديد فيه مأجورا مشكورا إن شاء الله.
فأجاب: تصفحت أدام الله توفيق القاضي الأجل وأجمل تخلصه السؤال الواقع فوق هذا ووقفت عليه، والذي أراه في هذا أن يصدق الذي أثبت إقرار الميت له بأنه وجه معه في تلك السفرة متاعا في صفة المتاع مع يمينه على ذلك في مقطع الحق إن ادعى من ذلك ما يشبه فيكون له في ماله قيمته، وكذلك الذي أثبت أنه باع له متاعا يسيرا يصدق في مقدار اليسير الذي أنزله به مع يمينه على ذلك، ويحلف الذين ثبتت لهم الديون بما يجب الحلف عليه على من أثبت دينا على ميت ويدخلون مع أصحاب البضائع فيما بيده من المال وفيما له العقار، وأما الشهود الذين شهوا للرجل أنهم يعلمونه شريكا للمتوفي ولا يجدون الشرعة ولا عرفوا صورتها فلا شهادة لهم إذا لم يحققوا شيئا يثبتوا به الشهادة، ويحلف من كان من الورثة كبيرا مالكا أمر نفسه أنه ما يعلم له شريكا في شيء مما بيده وبالله التوفيق ولا شريك له تعالى.
فأجاب : لو أن القاضي أفهم من يرجو أن يفهم عنه وجه ما كتب ، ويدعه يكتب ثم يتفقد ما كتب فيصلحه ويزيد فيه وينقض كان هذا أنزه له . وأما لو كتب له وأخذ أجره لكان جائزا إذا جرى الأمر على الصحة والسلامة ، ولكنه ذريعة إلى أن يفتن أو يكسبه الناس ما لم يكسب بسوء تأويلهم عليه . وأم القاضي إذا حكم ، فهل يلزمه كتاب نسخة الحكم في ديوانه فهو أمر لا يلزمه ، ولكنه أمر مستحسن ، لأنه قد يحتاج إليه وينتفع به . وأما حكمه على الغائب فمن الناس من يكتب في الحكم اسم من حكم به لما عسى أن تكون عند الغائب من حجة في تجريحهم ، أو أن بينه وبينهم ظنة أو عداوة ، ومنهم من لا يكتب أسماءهم كما لا يكتب اسم المزكين ، ولكن يكون ذلك في محضره ويذكر فيه أنه حكم بشهادة فلان وفلان ضعهم (كذا) ليكون حجة له . وقد اختلف أهل زماننا هل يكون على حجته في نكاح أو طلاق ، في بعض الأمهات أدلة على أنه على حجته ، وهو يبعد فيما يفوت بالنكاح والولد . وقد جعلوا هذا قويا في غير شيء في إسلام أحد الزوجين ، وفيمن علمت بالطلاق ولم تعلم بالرجعة ، وهي مسألة محتملة . وأما الفقيه العالم يقف يشتري الشيء فيقارب في بعض الأمر فقد خففه مالك إذا كان أمرا قريبا ، ولكن أشد ما في ذلك أن يكون يقبل الهدية ممن يكون له عنده خصومة ، أو وقف عنده الخصمان للفتوى فهذا لا ينبغي وهذا شديد . وأما في غير ذلك لرعاية حق العالم وإجلاله فهو خفيف . وهذا المفتي له أن يفتي من سأله . وإذا كان شيء فيه للمستفتين خصومة عند القاضي فيتوقف حتى يعرف كيف النازلة عنده وفي محضره وفي ديوانه .
[85/10] وسئل بعضهم عن رجل أثبت أملاكا أنها لأبيه وأثبت الموت والوراثة .
فأجاب: أعرفكم أن ذلك النظر صحيح في القضية، جار على الطريقة الشرعية فإنما يلقى الله ذلك الرجل وهو تائب من ذلك الذنب المنتهك لتلك الحرمة في وقتها وتوبته على خصوصها اللازم لها بعقد نيتها، لقوله عليه السلام: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى" ومن أركان التوبة العزم على أن لا يعود إلى تلك المعصية بعد الإقلاع عنها ولكن هذا الشرط منزل على القصد. فان قصد ذلك الرجل أن لا يعود إلى انتهاك حرمة ذلك الوقت بذلك الذنب وجنس هذا الذنب المنوط بوقته، لا وجود له في غيره كما لو واقع الفطر في صيام غير رمضان عمدا ثم أجمع التوبة نية وقصدا ولم يتعرض في نيته لاقتحام فطر في صيام غير رمضان فهذه توبة منعقدة وبخصوصها مرتبطة بخلاف ما إذا نوى التوبة من شرب الخمر هكذا على
[86/11] استرسال وفي نيته أن يعود إليه في غير ذلك الزمان. وإن كان قد عقد التوبة في رمضان، فليست هذه التوبة لبقاء جنس المعصية. وهكذا إذا تعمد الفطر في رمضان ونوى التوبة من إفساد ما يجب عليه من صيام، فلا بد من العزم على ترك العودة فيما يستقبل من الأيام. وهذا كله مع البناء على المذهب المعتمد عند أهل السنة، من أن التوبة من ذنب دون ذنب آخر صحيحة لتفاوت الذنوب والتفاوت حاصل في تلك المسألة، لأن الكافر يعد بإسلامه تائبا من كفره، وإن لم يتعرض لسائر معاصيه بنيته في وقت إقلاعه من الكفر وعقد توبته. ومبنى هذا الجواب على أصل وهو أن الحقيقة بوصفها كأنها غيرها إذا كانت بدون ذلك الوصف وهو معتبر في الفقهيات والعرفيات.