وإن قررتم على نهج قياس الفقهاء قلت مخبرا عن الورق الرومي: شيء تناولته يد الكافر فوجب أن يختلف في تنجيسه, سؤره وما أدخل يده فيه, فالأصل سؤره وما أدخل يده فيه, والفرع الورق, والعلة الجامعة كون كل من الأصل والفرع أصله الطهارة وتناولته يد من غلب على صاحبها استعمال النجاسة, والحكم جريان الخلاف في التنجيس لتعارض الأصل والغالب. وهذا النوع من أقيسة الفقهاء يسمى عندهم قياس العلة.
فإن قلت: لا يصح هذا القياس, فإنه من قياس الفرع على الفرع, ومن شرط حكم الأصل أن يكون غير فرع.
[79/1] قلت: الفرع الذي نفيه في حكم الأصل لا يعنون به ما كان من أحكام الفرع, وإلا لبطل القياس في الأحكام الفرعية جملة, وإنما يعنون به ما كان مقيسا على أصل آخر, وما نحن فيه ليس كذلك سلمناه لكن قياس الفرع على الفرع بهذا الاعتبار ليس متفقا على بطلانه بل مختلف في صحته. ومن تتبع كثيرا من أقاويل أصحاب مالك التي يقيسونها على أصوله وجدها من نوع هذا القياس الذي أوردناه. ولابن القاسم من ذلك في المدونة كثير, كقوله في كتاب التخيير والتمليك لما سئل عمن قال لزوجته أنت علي حرام وقال أردت أحرم أن تمسه(¬1). وقال في البيوع الفاسدة لما سئل عن زبل الدواب: لم أسمع من مالك فيه شيئا, إلا أنه عنده نجس وإنما كره العذرة لأنها نجس, وكذلك الزبل أيضا. ولكثرة هذا المعنى فيها لا يكاد يخلو باب منها منه. وأيضا فقد نص القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله في أول المدارك على أن لفظ الامام يتنزل عند مقلد منزلة ألفاظ الشارع باعتبار العمل بمنطوقه ومفهومه وغير ذلك, فعلى هذا قياس المقلد على أصول غمامه كقياس المجتهد على الأصول الشرعية.
حكي ابو محمد في بعض أبواب هذا الفصل من النوادر عن كتاب ابن .
[102/2]
[103/2]
سحنون ونصه . واذا قاتلنا الخوارج مع قوم من أهل الحرب استعانوا بهم
علينا فقال الأمام من قتل قتيلا فله سلبه فان من قتل خارجيا فليس له سلبه
وله سلب الحربيانتهي . فهذا ينافي العموم .
لنما يعم اللفط ما يصح أن يراد به باعتبار المقامات والذي يرد
بالقتيل في هذا المقام من يحل دمه وماله وهم الكفار الحربيون , والخارجي وان
حل قتله حال القتال لم يحل ماله , فكما لا يدخل في هذا اللفط المفتون طلما
من مؤمن أو كافر , ولا ينعكس عمومه , كذلك لا يدخل الخارجي ولا
يكسر , وتطير هذا البحث الأشكال المشهور الذي يود علي النكره بعد لا
العامله عمل ليس , فانه يقال انه نكره في سياق النفي ولم تعم نفي المثني
والمجموع كما عمت التي بعد العامله عمل ان , وكلن هذا السؤال عكس
السؤال في قتيلا بعد ان عندمن يري عمومه , فان هذه نكرة ثابته وعمت ووتلك منفيه ولم تعم .
والجواب . ما ذكرناه من ان اللفط انما يعم ما وضع له ولما كانت النكرة
المرفوعةبعد لا المراد بها الواحد لا جرم عم النفي كل واحد ولا مدخل له في
المثني ولا المجموع اذ ليس من مدلولاته . ولما كانت التي بعد لا العاملة
عمل ان المراد بها الجنس من حيث هو انتفي الواحد وغيره , فكل عم ما
وضع له . وربما وجه حكم ان قتلت قتيلا بوجه حكم ان وضعت غلاما .
لاشتراكهما في اهمال القضية واطلاق الفعل وتشخص الفاعل والله تعالي أعلم .
وسئل عن قول الأمام ابن عرفه رحمه الله في مختصره. وروي ابن نافع
في الأسيرة تقول لزوجها . افدني وأضع عنك مهري وهو خمسون دينارا ففداها
بعبد قيمته خمسون دينارا , قال لا شيء له من مهرها الا أن يفديها جاهلا انها
امرأته ز
قلت . فرض جهله مع وضع مهرها عنه متناف انتهي .
قد يقال . يرتفع هذا التنافي الذي ادعاه الشيخ بتقدير الأستثناء منقطعا
على أن ابن حبيب قال : لا يمنع الأب من عضل ابنته ولا يتسور عليه في نكاحها ، وقد عضل مالك بناته من النكاح وقد رغب فيهن خيار الرجال ، وفعله أهل العلم قبله وبعده ، واستحسنه اللخمي إذا كان ألأب من أهل العلم ، وقد تكون في البنت غفلة لا تقوم معها بحق الأزواج ، أو يرى أنه إذا خرجت عن حكمه أفتكت أو نحوه ، فهو اعلم بمصالح ابنته وبالله تعالى التوفيق . وكتب مصباح بن محمد بن عبد الله اليالصوتي ، وتقيد بعقبه : الحمد لله ممن أشهده[80/3]الفقيه المدرس الصالح العالم العلم الأكمل ، أبو الضياء مصباح ابن الشيخ الأجل المرحوم أبي عبد الله محمد بن أبي محمد عبد الله اليالصوتي ، أن الفتوى المسطرة بخطه وعليها وضع اسمه حسبما ذكر في صحته وجوازه وعرفه ، وفي الثامن لذي قعدة تسعة وثلاثين وسبعمائة أبو القاسم بن محمد ، وعبد الله بن محمد . وتحته أعلم بصحته الشيخ الأجل الأفضل الأسني الأطول قاضي الحضرة السنية المباركة ، أبو عبد الله محمد ابن الشيخ الفقيه الصالح الأسمى المبارك المرحوم أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الرزاق أعزه الله تعالى وتولاه مجله مبارك بن أحمد بن علي ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وقد تقدم الجواب عن هذا، ولا فرق في هذا بين كتبه بالخلع بيده دون أن يشهد عليه غيره، وبين أن يشهد عليه غيره، لا يلزمه الطلاق في الوجهين لعدم الشرط الذي علق الطلاق عليه؛ بل لو عرى الطلاق عن الشرط وكتبه بخطه ولم يشهد بذلك غيره، وزعم أنه لم يكتبه عازما على إنفاذ الطلاق وإنما كتبه على أن يستشير وينظر، فإن رأى أن ينفذه أنفذه وإلا لم ينفذه لصدق في ذلك، على ما قاله في المدونة وغيرها، هكذا قال القاضي أبو الوليد بن رشد رحمه الله، وبالله التوفيق، وكتب محمد بن عبد العزيز التازغدري لطف الله ب.
[من خالع زوجته وبعد مدة قال: هي علي حرام متى حلت حرمت]
وسئل بعض الفقهاء عن امرأة طلقها زوجها طلقة واحدة طلاق خلع، وبعد زمان قال: هي علي حرام متى حلت حرمت، أتحل له ام لا؟
فأجاب: بأنه ينظر إلى العادة في ذلك، فسألنا عن فقه المسألة فقال: كان أبو محمد عبد الحميد مذهبه في هذه المسألة أن الماء لرب الدار، وكان مذهب المفتي بالمدينة كالسلمي وغيره يفتون أن الماء للمكتري فسألت أبا محمد عبد الحميد عن الدليل الذي عنده في ذلك فقال: الأصل أن لا يخرج مال أحد من يده إلا بتغييره، والذي اكترى الدار إنما اكترى منه السكنى فيها خاصة، والسكنى لا يدخل الماء فيها لا نصا ولا عرفا فلا يخرج من يده من منافعه إلا ما أمر به أنه أكراه أو عرف ذلك، فإن أشكل الأمر بقي على ملك ربه فلهذا أفتي بأن الماء لرب الدار، وفارقته بعد ذلك وظهر لي من طريقة أن الماء للمكتري، وذلك إنه إنما أكرى منه جميع
[87/5]
منافع الدار والماء كائن من منافع الدار إذ هو كائن عن سطوحه فهو له، وكان نص جوابي له في ذلك: الماء عندي لمكتري الدار إذ له المنافع: والماء كائن عن منافع الدار، فهو لمن ملك أصله الكائن عنه، كما لو سقط حمام أو جراد على سطوحه فهذا نصه أو قريب منه، ثم بعد ذلك بنحو سبعين سنين رأيت في هذا الدليل معارضة وهو أنه اكترى منه جميع المنافع وأن الماء دعوى يحتاج فيها إلى دليل فتحيزت إلى التعويل على العادة، انتهى.
[مسألة في معاملة من لا يزكي]
وسئل الواغليسي هل يجوز البيع والشراء ممن لا يزكي ماله أم لا؟
فأجاب: الحزم أن لا يشتري ممن لا يزكي ماله وفيه خلاف وإن زكى ما اشترى فذلك الذي عليه إلا أن يكون بائعه غريق الذمة بها فعلى الخلاف في معاملة مستغرق الذمة والله أعلم.
[من لا ولاية له على اليتيم يبيع عليه ماله لغير حاجة]
وسئل عن مبتاع مال يتيم من غير من له عليه ولاية ولا كفالة لغير حاجة تدعو اليتيم لذلك هل لليتيم فيه قيام ومطالبة بنسل أو غلة؟ وهل يطالب هو أيضا بسياسة ما يحتاج من ذلك لسياسة أم لا؟
فأجاب: لليتيم أخذ ماله من المشتري وما تناسل منه ولا أجرة عليه في السياسة، والله تعالى أعلم.
[
فأجاب صاحب المظالم أبو محمد بن عبد الله بن عبد الرؤوف(¬1) وأبو محمد بن الشقاق(¬2)، وأبو محمد بن دحون(¬3) وغيرهم بأنه يلزمه أداء دينه، وإن حيل بينه وبين ماله الذي ذكره.
وأجاب القاضي أبو المطرف بن عبد الرحمن بن حرج(¬4) أنه لا يلزمه أداء دينه إلا من ماله بتاكرنة قال لي: فعرض جوابه هذا على الفقهاء المذكورين، فرأوه صوابا ورجعوا إليه وتركوا جوابهم الأول.
[مراطلة الدراهم ماضية في الطيب، منتقضة في الزيوف]
وسئل ابن أبي زيد عمن راطل دراهم بدراهم، ثم وجد أحدهما زيوفا فأراد الرد، هل يفسخ الجميع كالصرف أو بقدر الزيوف؟
فأجاب: إنما ينتقض ما يقابل الزيوف، وتمضي المراطلة في الطيب من الجانبين.
[رد قلة الزيت عن قلة السمن جائز]
وسئل ابن قداح(¬5) عمن تسلف قلة سمن، فأراد أن يرد عنها قلة زيت. فأجاب بأن ذلك جائز وفيه نظر.
[من دفع في سلعة تساوي أقل من دينار، دينارا]
وسئل الشيخ أبو محمد الشبيي(¬6) عمن اشتري سلعة بدراهم، بثمن إلى أجل أقل من صرف دينار، فدفع عند الأجل دينارا، ورد عليه باقيه دراهم هل يجوز أم لا؟
فأجاب: بأنه لا يجوز.
وأجاب غيره بالجواز لظاهر المدونة. ولو كان الثمن حالا فأتاه بالدراهم ورد عليه بقية الدينار جاز.
[يجوز للضرورة الرد عن الدراهم المتفاوتة القدر]
وسئل التونسيون عن الدراهم المتعامل بها عددا وآحادها متفاوتة القدر، هل يصح الرد فيها أم لا؟
[105/6]
فأجاب: ابن حيدرة(¬7) بالجواز على ما قيل في الأمر المهم.
وأجاب ابن عرفة فقال: إن اضطر الإنسان جاز وإلا فلا، قال الله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾.
وصوب هذا الجواب: بأن هذا الباب إنما جوز للضرورة، فمتى وجدت أبيح الحكم وإلا فلا. وأما أبو القاسم الغبريني(¬8) وابن جماعة لم يتحريا على الجواز للضرورة لعدم فتوى من سبقهما لذلك.
[ما أخذ عن الاتجار بالأحداث]
89/7] بيع الحبس على المشهور عنه, فقد قال للذي سأله عن نخل حبست عليه فذثرت أترى في أن يبيعها ؟ فقال له مالك: اتركها حتى تلعب عليها الرمال, فتستريح منها, ولم يجعل له سبيلا إلى بيعها وربيعة هو الذي رخص أن يعاوض عن الربع الخرب بربع غير خرب, أو يجعل الثمن في حبس غيره, وبالله التوفيق وكتب محمد بن عبد المؤمن لطف الله تعالى به.
[إذا فرط مستغل الحبس فيه حتى تهدم فإصلاحه عليه]
وسئل الفقيه سيدي عيسى بن علال رحمه الله عن دار حبست على مؤذن يؤذن في الثلث الأخير من الليل حين ينام المؤذنون, وأخرى محبسة على من يكنس بمسجد آخر ويغلق ويفتح, ثم إن المحبس عليهما المذكورين لم يزالا يستغلا الدارين المذكورتين حتى تهدمتا تهدما فاحشا محتاجا لإصلاح كثير, فانظروا سيدي على من هو الإصلاح, هل من الحبس ؟ أعني من حبس كل مسجد أم يلزم المؤذنين بناء ذلك من مالهما ؟ لكونهما تسببا في هدم ذلك, وبطلب نية المحبس الذي حبس ذلك, ولكل واحد من المؤذنين مدة من أربعة وعشرين سنة, بينوا لنا.
فأجاب: المؤذنان أولى بلإصلاح الذي تهدم من الدور, لأن الحق في ذلك(¬1) إلا أن لا تكون لهما منفعة بذلك الحبس إلا بعد إصلاح ما يحتاج إلى إصلاحه في ذلك الحبس فتعلق بذمة المؤذنين ذلك الذي استغلاه من الحبس قبل إصلاحه, وبالله تعالى التوفيق, وكتب مريد الخير لكم, منصور بن فارج بن مهدي أخذ الله تعالى بيده نائبا عن الفقيه.
[النظر فيمن يصلح للإمامة بالمسجد]
وسئل الأستاذ أبو سعيد بن لب بما نصه: يا سيدي وعمدتي وبركتي وعدتي أبقاكم الله في سماء المعارف شمسا منيرة, وعين الحضرة العلية بدوام بقائكم قريرة, عساكم أن تتفضلوا بالجواب في مسألة وهي فيمن حبس موضعا
[
استحفاظ الشفيع خلال السنة أنه على شفعته ثم سكوته بعد السنة]
وعن أخرى كذلك: الشفيع إذا اشترى واستحفظ في خلال السنة أنه مهما سكت فليس سكوته رضى منه بإسقاط الشفعة، ثم سكت بعد السنة بكثير وقام، يحتمل أن ينفعه ذلك كما أفتي به فيمن أحدث على جاره ضررا فاستحفظ أنه لا يسكت رضى بل لعذر، ولم يثبت العذر، فهل يكون نفس قوله لم أسكت رضى نافعا، وبه أفتى ابن عبدربه وغيره، أو غير نافع وبه أفتى غيره. فينبغي أن تكون مسألتنا كهذه. انظر أيضا هل تقاس على المرأة إذا سكتت بعد السنة في المغيب واستحفظت أن سكوتها ليس برضى فإنه ينفعها، أو يفرق بينهما بأن استحفاظها إنما نفعها لما لم تقم قرينة على إسقاط حقها.
[سفر الشفيع أثناء السنة]
وعن أخرى كذلك: سفر الشفيع في خلال السنة إن كان سفرا يؤوب منه قبل مضي السنة، فعاقه عائق عنه حتى مضت السنة فهو على شفعته.
[90/8]
[91/8]وإن كان سفرا بعيدا يعلم أنه لا يؤوب منه قبل مضي سنة فتسقط شفعته بمضي السنة. وعلى هذه المسألة قيست مسألة الطائي الفاسي فإنه كان خاصم في تصيير جزء في الدار ثم سافر أثناء ذلك إلى الأندلس ومنه إلى تلمسان وبقي مدة من أربعة أعوام، ثم قدم وأراد أن يخاصم فقيل له ما أسكتك هذه المدة؟ فقال إنما سافرت سفرا قريبا لأؤوب ثم حبسني أبو حم وأثبت ذلك فلم يسقط قيامه.
[إذا باع أحد الشريكين بعضا من شقصه فللآخر الشفعة]
وعن أخرى كذلك: إذا كانت الدار يمكن قسمها نصفين بالضرر وكانت بين شريكين فقط، فباع أحدهما ثمن نصيبه أو ربعه وهي لا تنقسم إلا بضرر، فقصد بذلك إسقاط الشفعة، فالشفعة واجبة، إذ المعتبر أصلها فتجب مقابلته بنقيض قصده.
[لا بد من تضمين المعرفة بالحصة وبقدر الثمن في الشفعة]
100/9] فأجاب: ذلك له عندي إلا أن يشاء أن يدفع إليه ويضمنه فذلك له، وهو الذي أحفظ عن ابن المواز، وهو أحب إلى، وأما قول سحنون في الذي يقر بوديعة في يده لمفلس وهو غائب إن ذلك لا يقبل منه وإنه أبى أن يأمر فيه بشيء يقول المقر فما أدرى لم قال هذا؟ ولعله إنما يعني أن ربها لعله أن يأتي فيقول ليست لي، وقد قال أصحابنا في الورثة البالغين يأتون إلى القاضي في دار ورثوها عن ميتهم ويسألونه النظر فيها لاختلافهم، بعضهم يريد أن يبيع، وبعضهم يأبى فينظر القاضي بينهم لقولهم حتى يثبت عنده مالك الأصل ومن يستحق الميراث.
[مسألة في المودع يبعث بكتاب أو رسول إلى المودع عنده]
وسئل عن رجل كتب إلى رجل له عنده وديعة أن يدفعها إلى موصل كتابه إليه فيعرف من عنده الوديعة خط ربها فدفعها إلى من وصل إليه الكتاب فإذا بالكتاب قد سقط من يد رسوله والتقطه رجل آخر فأتى بها إلى الرجل فأخذ الوديعة.
فأجاب بأن قال: إن عرف أنه خط رب الوديعة أو اعترف أنه خطه وعرفه من عنده الوديعة فلا شيء عليه، وكذلك إذا كان في الكتاب ادفعها إلى موصل كتأبي إليك فلم يتعذر، وأما إن كان في الكتاب ادفع الوديعة إلى رسولي إليك فدفعها إلى موصل الكتاب فإنه يضمن إذ دفعها إلى غيره.
[من أبضع معه بضاعة فعرض له مقام في سفره]
وسئل عمن أبضع معه بضاعة فعرض له مقام بلد في سفره فوجه بها إلى ربها فلم تصل إليه فيقول ربها مع من وجهتها فيقول مع ثقة إلا أني لم أشهد على دفعها إليه وقد مات في البحر، فيقول ربها لو أشهدت عليه كانت في ماله إذ لم يحفظ عنه فيها قول، وكيف إذا سماه ولم يشهد بالدفع إليه، والمسألة التي في المختلطة في المستودع يخاف عورة بيته أو يريد سفرا فيستودعها أنه مصدق في الإيداع؟
[
وبالجملة : إن أكثر الخطط الشرعية في زماننا أسماء شريفة على مسميات خسيسة . برهان الدين (¬1) اعلم أن أكثر المؤلفين من أصحابنا وغيرهم بالغوا في الترهيب والتحذير من الدخول في ولاية القضاء ، وشددوا في كراهة السعي فيها ، ورغبوا في الإعراض عنها ، والنفور والهروب منها ، حتى تقرر في أذهان كثير من الفقهاء والصلحاء أن من ولي القضاء فقد سهل عليه دينه ، وألقى بيده إلى التهلكة ، ورغب عما هو الأفضل ، وساء اعتقادهم فيهم ، وهذا غلط فاحش يجب الرجوع عنه والتوبة منه . والواجب تعظيم هذا المنصب الشريف ومعرفة مكانته من الدين ، فبه بعثت الرسل ، وبالقيام به قامت السماوات والأرض ، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم من النعم التي يباح عليها الحسد ، فقد جاءت رواية ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم :« لا حسد إلا في اثنين ، رجل [82/10] آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعمل بها » . وجاء من حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال :« هل تدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة . قالوا الله ورسوله أعلم قال الذين إذا أعطوا الحق قبلوه ، وإذا سئلوه بذلوه وإذا حكموا للمسلمين حكموا كحكمهم لأنفسهم » . وفي الحديث الصحيح : سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه الحديث ، فبدأ بالإمام العدل .
قلت : قال شهاب الدين بن حجر قد نظم هذه السبعة العلامة أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل فيما أنشدناه أبو إسحاق التنوخي إذنا عن أبي الهدى أحمد بن أبي شامة عن أبيه سماعا من لفظه قال :
وقال النبي المصطفى إن سبعة ... يظلهم الله الكريم بظله
محب عفيف ناشيء متصدق ... وباك مصل والإمام بعدله
83/11] واختار ابن القاسم إباحة ذلك في العجين والدقيق والسويق والخبز ونحو ذلك وما أضيف إلى مكتوبكم إلى ابن الحكم فقد ذكره الباجي وابن العربي مكملا. وهو أنه روى عن مالك في خلط الخليطين بقصد التخليل أنه لا خير فيه، وأن الخل والانتباذ في ذلك سواء. قال ابن عبد الحكم: وقد قال أيضا: لا بأس بذلك للخل. فذكر كما ترى روايتين عن مالك في ذلك. قال الباجي: وجه الرواية الأولى المتعلق بعموم النهي عن انتباذ الخليطين، فلا يجوز ذلك لخل ولا لغيره، لأنه يصير نبيذا ثم يصير خلا. قال ووجه الرواية الثانية أنه لا يقصد بذلك النبيذ وإنما يقصد به الخل. وإنما يعتره أن ينتبذه المسراب يعني نبيذا.