تخطَّ إلى المحتوى

تراهم قعودا حوله وعيونهم ... مكسرة أبصارها ما تصرف

وبيتان بيت الله نحن ولاته ... وبيت بأعلى إيلياء مشرف

إذا هبط الناس المحصب من منى ... عشية يوم النحر من حيث عرفوا

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

ولا عز إلا عزنا قاهر له ... ويسألنا النصف الذليل فينصف

ألوف ألوف من رجال ومن قنا ... وخيل كريعان الجراد وحرشف

إذا ما احتبت لي دارم عند غاية ... جريت إليها جري من يتغطرف

وإن فتنوا يوما ضربنا رؤوسهم ... على الدين حتى يقبل المتألف

فإنك إذ تسعى لتدرك دارما ... لأنت المعنى يا جرير المكلف

أتطلب من عند السماء مكانه ... بريق وعير ظهره متقرف

وشيخين قد ناكا ثمانين حجة ... أتانيهما هذا كبير وأعجف

أبى لجرير رهط سوء أذلة ... وعرض لئيم للمخازي موقف

وأم أقرت من عطية رحمها ... بالأمر ما كانت له الرحم تنشف

عطفت عليك الحرب إني إذا ونى ... أخو الحرب كرار على القرن معطف

إذا سلخت عنها أمامة درعها ... وأعجبها راب إلى البطن مهدف

قصير كأن الترك فيه وجوههم ... خنوق لأعناق الجرادين أكشف

تقول وصكت حر خدي مغيظة ... على الزوج حرى ما تزال تلهف

أما من كليبي إذا لم تكن له ... أتانان يستغني ولا يتعفف

إذا ذهبت مني بزوجي حمارة ... فليس على ريح الكليبي مأسف

على ريح عبد ما أتى مثل ما أتى ... مصل ولا من أهل ميسان أقلف

تبكي على سعد وسعد مقيمة ... بيبرين قد كادت على الناس تضعف

وسعد كأهل الردم لو فض عنهم ... لماجوا كما ماج الجراد وطوفوا

فهم يعدلون الأرض لولاهم التقت ... على الناس أو كادت تسير فتنسف

ولو أن سعدا أقبلت من بلادها ... لجاءت بيبرين الليالي تزحف

جواب جرير

فأجابه عنها جرير بن عطية بن الخطفى، ويقال إن جريرا هو البادئ، والأول أشبه، لما كان جرير يقوله من أنه لم يهج قط إلا مجيبا منتصرا.

ذكر الرواة أن جريرا قدم البصرة في إمرة الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، خليفة الحجاج، فقال يمدح الحكم:

أقبلت من نجران أو جنبي خيم ... على قلاص مثل خيطان السلم

قد طويت بطونها طي الأدم ... يبحثن بحثا كمضلات الخدم

إذا قطعن علما بدا علم ... حتى تناهينا إلى باب الحكم

خليفة الحجاج غير المتهم ... في معدن العز وبحبوح الكرم

فأنشده إياها وتحدث عنه فأعجبه ظرفه وشعره، فكتب إلى الحجاج: أنه قدم علي أعرابي باقعة شيطان من الشياطين. فكتب أن أرسل به إلي، فقدم عليه فأكرمه وكساه وأنزله، فمكث أياما ثم أرسل إليه بعد نومه، فقال الرسول: أجب الأمير، فقال: ألبس ثيابي، فقالوا: أمرنا أن نأتيه بك على الحال التي نجدك عليها، فذهب عقله، وعليه قميص غليظ وملاءة مورسة. فلما رأى رجل من الرسل ما به قال: لا بأس عليك، إنما دعاك الأمير للحديث. قال جرير: فلما دخلت عليه قال: إيه يا عدو الله، تشتم أعراض الناس، فقلت: أصلح الله الأمير، إني والله ما أظلمهم، ولكنهم يظلمونني فأنتصر، ما لي، أصلح الله الأمير ولابن أم غسان، ومالي وللبعيث، ومالي وللفرزدق، ومالي وللأخطل، ومالي وللتيمي، قال: ما أدري مالك ولهم، وقلت: وأخبر الأمير، أما غسان بن ذهيل فإنه رجل من قومي، هجاني وعشيرتي، وكان شاعرا. قال: فما قال لك، قلت: قال لي:

لعمري لئن كانت بجيلة زانها ... جرير لقد أخزى كليبا جريرها

قال: فما قلت له، قال: قلت:

ألا ليت شعري عن سليط ألم تجد ... سليط سوى غسان جارا يجيرها

الأمالي · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.