طَرِيقَيْنِ، لَا بِتَشْبِيهٍ وَلَا بِتَعْطِيلٍ. وَسُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْبُوشَنْجِيُّ عَنِ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: إِثْبَاتُ ذَاتٍ غَيْرِ مُشَبَّهَةٍ بِالذَّوَاتِ، وَلَا مُعَطَّلَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ مَعْنَاهُ اتْرُكُوهُمْ وَلَا تُحَاجُّوهُمْ وَلَا تَعْرِضُوا لَهُمْ. فَالْآيَةُ عَلَى هَذَا مَنْسُوخَةٌ بِالْقِتَالِ ; قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْوَعِيدُ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَقَوْلُهُ: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا. وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ " (1).
قال حافظ بن أحمد الحكي في تفسيره لقول الحق تبارك و تعالى ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾
" وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، (الْأَعْرَافِ: 180)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَمُجَاهِدٌ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ، عَدَلُوا بِأَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ، فَسَمَّوْا بِهَا أَوْثَانَهُمْ فَزَادُوا وَنَقَصُوا، فَاشْتَقُّوا اللَّاتَ مِنَ اللَّهِ، وَالْعُزَّى مِنَ الْعَزِيزِ، وَمَنَاةَ مِنَ الْمَنَّانِ، وَقِيلَ هِيَ تَسْمِيَتُهُمُ الْأَصْنَامَ آلِهَةً. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ، أَيْ يُكَذِّبُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُلْحِدُونَ يُشْرِكُونَ فِي أَسْمَائِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْإِلْحَادُ التَّكْذِيبُ، وَأَصْلُ الْإِلْحَادِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْعُدُولُ عَنِ الْقَصْدِ، وَالْمَيْلُ وَالْجَوْرُ وَالِانْحِرَافُ، وَمِنْهُ اللَّحْدُ فِي الْقَبْرِ ; لِانْحِرَافِهِ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ عَنْ سِمَةِ الْحَفْرِ ا هـ. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَةٌ، وَالْإِلْحَادُ يَعُمُّهَا، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: إِلْحَادُ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَمُجَاهِدٌ مِنْ عُدُولِهِمْ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ، وَتَسْمِيَتِهِمْ أَوْثَانَهُمْ بِهَا مُضَاهَاةً لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَمُشَاقَّةً لَهُ وَلِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الثَّانِي: إِلْحَادُ الْمُشَبِّهَةِ الَّذِينَ يُكَيِّفُونَ صِفَاتِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَيُشَبِّهُونَهَا بِصِفَاتِ خَلْقِهِ مُضَادَّةً لَهُ - تَعَالَى - وَرَدًّا لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾،
(1) الجامع لأحكام القرآن» سورة الأعراف» قوله تعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها / الجزء السابع