8 - تمكن من الحج قبل الموت فلم يحج
يقول السائل: ما حكم من تمكن من الحج فلم يحج حتى مات؟ الجواب: قال الله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ سورة آل عمران الآية 97. وهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على وجوب الحج على المستطيع. وفي قوله تعالى: (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) إشارة إلى أن الأصل في المسلم أنه لا يترك الحج مع القدرة عليه لأنه سبحانه وتعالى جعل مقابل الفرض الكفر فترك الحج ليس من شأن المسلم بل هو من شأن الكافر. انظر الموسوعة الفقهية 17/23. وقال القرطبي: [وروى قتادة عن الحسن قال قال عمر رضي الله عنه لقد هممت أن أبعث رجالا إلى الأمصار فينظرون إلى من كان له مال ولم يحج فيضربون عليه الجزية فذلك قوله تعالى ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ قلت – القرطبي - هذا خرج مخرج التلغيط
…
وقال سعيد بن جبير: لو مات جار لي وله ميسرة ولم يحج لم أصل عليه] تفسير القرطبي 4/153-154
وينبغي على المسلم إن كان مستطيعا للحج أن يبادر إليه لأن الحج واجب على الفور على قول جمهور أهل العلم. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إن من وجب عليه الحج وأمكنه فعله وجب عليه على الفور ولم يجز له تأخيره وبهذا قال أبو حنيفة ومالك] المغني 3/212. وقد ورد في الحديث عن ابن عباس عن الفضل رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وقال الشيخ الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن ابن ماجة 2/147. وروي في الحديث عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ? (من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا والله يقول في كتابه: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفي إسناده مقال وهلال بن عبد الله مجهل، والحارث يضعف في الحديث وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب 1/377
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من مات ولم يحج حجة الإسلام في غير وجع حابس أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فليمت أي الميتتين شاء: إما يهوديا وإما نصرانيا (رواه ابن عدي في الكامل وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وقال الحافظ ابن حجر: رواه ابن عدي من حديث عبد الرحمن القطامي عن أبي المهزوم وهما متروكان، التلخيص الحبير 2/223 وقال الحافظ ابن حجر: ومحمله على من استحل الترك] المصدر السابق. وعن عبد الرحمن بن غنم أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه يهوديا مات أو نصرانيا. ذكره ابن كثير وقال: هذا إسناد صحيح إلى عمر تفسير ابن كثير 2/97.
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جدة فلم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين) رواه سعيد بن منصور في سننه.
إذا تقرر هذا فإن من استطاع الحج ولم يحج حتى مات فإنه يموت عاصيا على الراجح من أقوال أهل العلم لأنه قصر في فريضة من فرائض الإسلام ويجب الحج من ماله إن ترك مالا ويخرج من ماله ما يحج به عنه قبل توزيع التركة على الورثة لأن دين الله أحق بالقضاء قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج، وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر سواء فاته بتفريط أو بغير تفريط. وبهذا قال الحسن وطاوس والشافعي] المغني 3/233. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له إن أختي قد نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو كان عليها دين أكنت قاضيه قال نعم قال فاقض الله فهو أحق بالقضاء) رواه البخاري وفي حديث آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته اقضوا الله فالله أحق) رواه البخاري أيضا.
وقد اعتبر العلامة ابن حجر المكي ترك الحج مع القدرة عليه إلى الموت من كبائر الذنوب فقال [الكبيرة الثامنة والأربعون بعد المائة: ترك الحج مع القدرة عليه إلى الموت
…
والحاصل أن الحديث ضعيف – أي حديث علي المتقدم - كما قاله النووي في شرح المهذب، نعم صح ذلك عن عمر رضي الله عنه ومن ثم قال (لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جدة ولم يحج فليضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين) ، ومثل ذلك الحديث لا يقال من قبل الرأي فيكون في حكم المرفوع ومن ثم أفتيت بأنه حديث صحيح، وقد رواه البيهقي أيضا عن عبد الله بن سابط عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من لم تحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا) . وأخرج البزار: (الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام أي كلمته سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، وحج البيت سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له) . وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل: إن عبدا صححت له جسمه، ووسعت عليه في المعيشة تمضي عليه خمسة أعوام لا يغدو علي لمحروم) رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي وقال: قال علي بن المنذر: أخبرني بعض أصحابنا: كان حسن بن حي يعجبه هذا الحديث وبه يأخذ ويحب للرجل الموسر الصحيح أن لا يترك الحج خمس سنين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما كما مر عنه: ما من أحد لم يحج ولم يؤد زكاة ماله إلا سأل الرجعة عند الموت، فقيل له: إنما يسأل الرجعة الكفار، وقال: وإن ذلك في كتاب الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق﴾ : أي أؤدي الزكاة ﴿وأكن من الصالحين﴾ أي أحج. وجاء عن سعيد بن جبير، قال: مات لي جار موسر لم يحج فلم أصل عليه تنبيه: عد ما ذكر كبيرة هو ما صرحوا به ودليله هذا الوعيد الشديد] الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/456-457.
وخلاصة الأمر أنه ينبغي التعجيل في أداء الحج للمستطيع فإن مات قبل أن يحج فهو عاص ويجب الحج عنه إن ترك مالا.