وكما لم يكن بزوال الإيمان الذي هو عمل (1) استتابة ولا إزالة الحدود عنه، إذ لم يزل أصل الإيمان عنه، فكذلك لا يجب علينا استتابته وإزالة الحدود والأحكام عنه بإثباتنا له اسم الكفر من قبل العمل؛ إذ لم يأت بأصل الكفر الذي هو جحد بالله أو بما قال ...
قالوا: ولما كان العلم بالله إيماناً، والجهل به كفراً، وكان العمل بالفرائض إيماناً، والجهل بما قبل نزولها ليس بكفر، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقروا بالله أول ما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم إليهم، ولم يعلموا الفرائض التي افترضت عليهم بعد ذلك، فلم يكن جهلهم بذلك كفراً، ثم أنزل الله عليهم هذا الفرائض، فكان إقرارهم بها والقيام بها إيماناً، وإنما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله، ولو لم يأت خبر من الله ما كان يجهلها كافراً، وبعد مجيء الخبر من لم يسمع بالخبر من المسلمين لم يكن يجهلها كافراً، والجهل بالله في كل حال كفر قبل الخبر وبعد الخبر.
قالوا: فمن ثمّ قلنا: إن ترك التصديق بالله كفر، وإن ترك الفرائض مع تصديق الله أنه أوجبها كفر، ليس بكفر بالله، وإنما هو كفر من جهة ترك الحق، كما يقول القائل: كفرتني حفي ونعمتي. يريد: ضيعت حقى وضيعت شكر نعمتي ...
قالوا: ولنا في هذه قدوة بمن روي عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين، إذ جعلوا للكفر فروعاً دون أصله، لا ينقل صاحبه عن ملة الإسلام، كما أثبتوا للإيمان من جهة العمل فروعاً للأصل، لا ينقل تركه عن ملة الإسلام (2) ...
وقد يسمى الكافر ظالماً، ويسمى العاصي من المسلمين ظالماً، فظلم ينقل عن الملة، وظلم لا ينقل ... وكذلك الفسق فسقان: فسقان ينقل عن الملة وفسق لا ينقل عن الملة، فيسمى الكافر فاسقاً، والفاسق من المسلمين فاسقاً ...
قالوا: فلما كان الظلم ظلمين والفسق فسقين، كذلك الكفر كفران: أحدهما ينقل عن الملة، والآخر لا ينقل عن الملة، وكذلك الشرك شركان: شرك في التوحيد ينقل عن الملة، وشرك في العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء"اهـ (3).
(1) الإيمان الذي هو عمل هي الأعمال التي أطلق عليها الشارع إيماناً فيما زاد على أصل الإيمان، والتي جمعها حديث الشعب والتي لا يخرج تاركها عن ملة الإسلام.
(2) انظر التعليق السابق.
(3) الإيمان، لابن تيمية، ص303 - 313.