قالوا: إن الله ورسوله وجماعة المسلمين بينوا الأشياء بما غلب عليها من الأسماء، فسموا الزاني فاسقاً، والقاذف فاسقاً، وشارب الخمر فاسقاً، ولم يسموا واحداً من هؤلاء متقياً ولا ورعاً، وقد أجمع المسلمون أن فيه أصل التقى والورع، وذلك أنه يتقي أن يكفر أو يشرك بالله شيئاً ...
قالوا: فلذلك لا نسميه مؤمناً، ونسميه فاسقاً زانياً، وإن كان في قلبه أصل اسم الإيمان، لأن الإيمان اسم أثنى الله به على المؤمنين وزكاهم به وأوجب عليه الجنة، فمن ثَمّ قلنا: مسلم. ولم نقل: مؤمن (1) ...
وقد سموه مسلماً لخروجه من ملل الكفر ولإقراره بالله وبما قال، ولم يسموه مؤمناً، وزعموا أنهم مع تسميتهم إياه بالإسلام كافر، لا كافر بالله، ولكن كافر من طريق العمل، وقالوا: كفر لا ينقل عن الملة. وقالوا: محال أن يقول النبي صلى الله علي وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (2) والكفر ضد الإيمان، فلا يزول عنه اسم الإيمان إلا واسم الكفر لازم له، لأن الكفر ضد الإيمان، إلا أن الكفر كفران، كفر هو جحد بالله وبما قال، فذاك ضده الإقرار بالله والتصديق به وبما قال، وكفر هو عمل ضد الإيمان الذي هو عمل ...
ولكنا نقول: للإيمان أصل وفروع، وضد الإيمان الكفر في كل معنى، فأصل الإيمان الإقرار والتصديق، وفرعه إكمال العمل بالقلب والبدن، فضد الإقرار والتصديق الذي هو أصل الإيمان، الكفر بالله وبما قال وترك التصديق به وله، وضد الإيمان الذي هو عمل وليس هو إقراراً، كفر ليس بكفر الله ينقل عن الملة، ولكن كفر تضييع العمل كما كان العمل إيماناً، وليس هو الإيمان الذي هو إقرار بالله ...
(1) قالوا مسلم لأنه خرج من ملة الكفر إلى ملة الإسلام بتحقيقه أصل الإيمان، ولم يقولوا: مؤمن؛ لعدم تحقيقه كمال الإيمان الواجب الذي يستحق به هذا الاسم. وسيأتي بالتفصيل الكلام عن الإيمان والإسلام في الفصل العاشر.
(2) سبق تخريجه.