تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الوجه الثاني: أن الإيمان المأمور به الناس يتفاوت من جهة ما وقع منهم إجمالاً وتفصيلاً. فمن طلب علم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم تفصيلاً، فآمن به، وعمل به، فإيمانه أكمل ممن عرف ما وجب عليه والتزمه، وأقر به، لكنه لم يعمل بذلك كله وإن كان معترفاً بذنبه خائفاً من عقوبته على ترك العمل. وهذا الأخير إيمانه أكمل من إيمان من لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ولا عمل بذلك، ولا هو خائف أن يعاقب، بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، مع أنه مقر بنبوته باطناً وظاهراً.

فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول فصدقه، وما أمر به فالتزمه، كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك، وإن كان معه التزام عام وإقرار عام.

الوجه الثالث: أن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت، ويكون بعضه أقوى من بعض وأثبت وأبعد عن الشك. وذلك شأن سائر صفات الحي من القدرة، والإرادة، والسمع والبصر، والكلام، بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك.

فكما أن الحس الظاهر بالشيء الواحد، مثل رؤية الناس للهلال، يتفاضل ويتفاوت وإن اشترك الجميع فيها، فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض، وكما أن سماع الصوت الواحد، وشم الرائحة الواحدة، وذوق النوع الواحد من الطعام، كل ذلك يتفاوت الناس فيه ويتفاضلون، فكذلك معرفة القلب وتصديقه، يتفاضل أعظم من ذلك.

بل إن الإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومه يتفاضل حاله فيه، كما يتفاضل حاله في سمعه لمسموعه، ورؤيته لمرئيه، وقدرته على مقدوره، وحبه لمحبوبه، وبغضه لبغيضه، ورضاه بمرضيه، وسخطه لمسخوطه، وإراداته لمراده، وكراهيته لمكروهه.

الوجه الرابع: أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله، فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به.

فالعلم بالمحبوب مثلاً يستلزم طلبه، والعلم بالمخوف يستلزم الهرب منه، فإذا لم يحصل اللازم دلّ على ضعف الملزوم، ويكون ذلك لانشغال القلب عن تصور المخبر به، وإن كان مصدقاً به، فإذا ما عاينه حصل في قلبه من تصور المخبر به ما لم يكن عند سماع الخبر،

حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعةص ٤٢