الصحيح أن الإيمان يتفاوت ويتفاضل ويزيد وينقص في جميع عناصره، فدرجة التصديق القلبي تتفاوت من إنسان لآخر، ودرجة اليقين في قلب المرء نفسه تختلف من وقت لآخر ومن حال لحال.
وأما عمل القلب من المحبة والخشية والرجاء والتوكل، فما أكثر ما يتفاوت البشر في ذلك، وما أكثر ما تختلف حال القلب الواحد من فترة لأخرى حسب الوضع الإيماني ومدى القرب أو البعد عن الله –عز وجل- وهذه حال يعلمها كل إنسان من نفسه.
وأما عن التفاوت في الأعمال الظاهرة، فلا نحسب أن أحداً يجادل فيها، ولكننا نقرر فقط أن هذا التفاوت في الأعمال الظاهرة إنما هو انعكاس مباشر للتفاوت في الحالة الإيمانية للقلب نفسه، وأن العمل الظاهر ليس مقطوع الصلة بالعمل القلبي كما يظن البعض، بل هما وجهان لحقيقة نفسية واحدة، وهذا الأمر من طبيعة الأشياء التي فطر الله الناس عليها (1).
وقد عرض الإمام ابن تيمية لهذا الأمر، وهو شمول الزيادة والنقص لجميع عناصر الإيمان من عدة وجوه نلخصها فيما يلي: (2)
الوجه الأول: أن الإيمان المأمور به الناس يتفاوت من حيث الوجوب إجمالاً وتفصيلاً، فيزيد الإيمان المأمور به أحدهم –من حيث التفصيل- عن ذلك المأمور به غيره على وجه الإجمال.
فمثلاً قبل نزول الشرائع كان الشخص مأموراً بالإيمان بالله والرسول ظاهراً وباطناً على وجه الإجمال، ولكن بعد اكتمال نزول الشرائع أصبح الشخص هنا مأموراً بإيمان أكمل –من حيث التفصيل- من الإيمان الذي كان الرجل مأموراً به هناك على وجه الإجمال.
تماماً كما أن الدين المأمور به الرجال أكمل من الدين المأمور به النساء الحائضات في رمضان مثلاً، حيث إنهن غير مأمورات بالصلاة والصيام، فيصبحن ناقصات دين كما وصفهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك من حيث ما أمرن به من الدين، لا من حيث تقصيرهن فيما أمرن به من الدين.
(1) سنناقش هذا الأمر تفصيلاً في الفصل السابع إن شاء الله.
(2) انظر: كتاب الإيمان، ص219 - 224. والإيمان الأوسط، ص104 - 116.