الذي ينقل عن الملة. والحكم بكفرهم ثابت بنص القرآن: (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ) (التوبة: 74). (لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (التوبة: 66). وحكمهم هو القتل ردة.
وهذا القسم كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر يكل أمرهم إلى الله حتى توعدهم الله بالقتل إذا أظهروا النفاق فكتموه خوفاً من القتل، ولهذا يقول حذيفة عن هؤلاء: "كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما اليوم فمؤمن وكافر".
يقول ابن تيمية: "وأنزل الله تعالى: (لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً، مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) (الأحزاب: 60 - 62).
فلما توعدوا بالقتل إذا أظهروا النفاق كتموه. ولهذا لما تنازع الفقهاء في استتابة الزنديق فقيل: يستتاب. واستدل من قال ذلك بالمنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل أمرهم إلى الله. فيقال له: هذا كان في أول الأمر، وبعد هذا نزل: (مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً) فعلموا أنهم إن أظهروه كما كانوا يظهرونه قتلوا فكتموه.
والزنديق هو المنافق، وإنما يقتله من يقتله إذا ظهر منه أنه يكتم النفاق. قالوا: ولا نعلم توبته، لأن غاية ما عنده أنه يظهر ما كان يظهر، وقد كان يظهر الإيمان وهو منافق، ولو قبلت توبة الزنديق لم يكن سبيل إلى تقتيلهم، والقرآن إنما قد توعدهم بالقتل"اهـ (1).
ثم إن من هؤلاء من قامت عليه البينة الشرعية الظاهرة التي توجب قتله ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ترك قتلهم لعلة أخرى، وهي الخوف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، فيكون من قتلهم ضرر على الدين أعظم من تركهم.
يقول الشاطبي: "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، فقد قال في الحديث حين أشير عليه بقتل من أظهر نفاقه: "أخاف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" (2)، وقوله: "لولا قومك حديثي عهد بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم" (3). وفي حديث الأعرابي الذي بال في المسجد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتركه حتى
(1) الإيمان، ص183. ولا خلاف بين الفقهاء جميعاً على أن الزنديق مرتد، وإنما الخلاف في استتابته.
(2) البخاري بلفظ: "دعه، لا يتحدث الناس".
(3) البخاري.