يدل على أن المعنى بالإنصات ترك الجهر على ما كانوا يفعلون من مجاوبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1)
ثم إن غالب أئمة الصلاة، لا يقفون على رؤوس الآيات، بل يصلون أكثر من آية ببعضها، وان وقف أحدهم، فوقوفه للتنفس، وهذا لا يكفي لقراءة المأموم آيات الفاتحة خلفه، فهذه القراءة غير عملية، لأنه إذا سكت عند قراءة الإمام، سيتشتت فكره بين فهم قراءة الإمام، وبين تحيّنه سكوته ليقرأ فيه، وبين تذكر المكان الذي وصله هو من الفاتحة، فيكون قد ضيع الجميع، فلا هو تدبر قراءة نفسه، ولا هو تدبر قراءة الإمام!
وأما القول الثالث: بالقراءة في النفس، فلا يصح. لأن القراءة في النفس إذا لم يحرك بها اللسان، ليست بقراءة، وإنما هي حديث النفس بالذكر. وحديث النفس لا يعتبر عملاً ينوب عما هو مفروض عمله (2)، وهو هنا القراءة. قال الحافظ البيهقي: (والمراد بقوله: ((إقرأ بها في نفسك)) أن يتلفظ بها سراً دون الجهر؛ لإجماع أهل اللسان على أن ذلك لا يسمى قراءة؛ ولإجماع أهل العلم على أن ذكرها بقلبه دون التلفظ بها ليس بشرط ولا مسنون، فلا يجوز حمل الخبر على ما لا يقول به أحد، ولا يساعده لسان العرب) (3).
وأما القول الرابع: بالقراءة (هَذّاً) بسرعة ومداركة، فإن هذه القراءة إذا صح دليلها؛ ففيها حَلّ بمن يتحرج من ترك القراءة خلف الإمام، لكنها ليست هي القراءة المطلوبة؛ لأنها لا تعين على التدبر، لا لما قرأه هو، ولا لما قرأ الإمام -إذا تزامنت القراءتان- لأنه (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) فلا يحصل انتباه لإحدى القراءتين إلا بغفلة عن الأخرى، ولكن لما لم يكن تدبر القرآن شرطاً لصحة الصلاة جازت هذه القراءة.
الترجيح: من استعراض الأدلة السابقة يترجح لدي ما يلي:
أن السكتات لم تكن من أجل قراءة المأمومين، وإنما السكتة بعد تكبيرة الإحرام هي لقراءة دعاء الاستفتاح، وأن السكتات بعد الفاتحة وبعد السورة هي سكتات لالتقاط النفس، كما يشير إلى ذلك قوله: (ليترادّ إليه نفسه) (4) أو للتدبر أو الدعاء كما
(1) () تفسير القرطبي (7/ 354).
(2) () التمهيد (11/ 45).
(3) () القراءة خلف الإمام؛ للبيهقي، تحقيق: محمد سعيد بسيوني زغلول ص 31، 32.
(4) () انظر: حاشية النجدي على الروض المربع (2/ 280).