يرد ما يدل على المنع من قراءتها في تلك السكتة، فيبقى الأمر في نطاق الإباحة، فلا بأس من القراءة فيها لمن أراد. وما ذكره سعيد بن جبير من سكوت الإمام حتى يقرأ المأموم، هو اجتهاد من بعض السلف، لكن لا دليل عليه لما يأتي:
أ- لأنه لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سكت بعد قيامه للثانية، ولم يرد ما يدل على أن الإمام يسكت كي يقرأ غيره، بل نقل عن بعض التابعين عكس ما نقل عن سعيد بن جبير، قال محمد بن سيرين: (لا اعلم من السنة القراءة خلف الإمام، وقال إبراهيم النخعي: إنما أحدث الناس القراءة خلف الإمام زمن المختار بن أبي عبيد الله الثقفي؛ لأنه كان يصلي بهم صلاة النهار، ولا يصلي بهم صلاة الليل، فاتهموه فقرؤوا خلفه) (1).
ب- لان العبادات توقيفية فلا يزاد فيها بالاجتهاد، والسكوت قبل القراءة من أجل قراءة المأمومين، فيه زيادة لا دليل عليها، وإذا ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في سكوته بعد تكبيرة الإحرام أدعية استفتاح الصلاة؛ فماذا سيقرأ الإمام بعد قيامة للثانية؟! إلا إذا قيل: يقرأ الفاتحة أو آيات منها سرا ثم يعيدها جهرا، وهذا تكرار لا قائل به؛ لأنه يؤدي إلى تكرار الركن، وتأخير الأركان التي بعده عن مكانها!
ج- لأن الصلاة ليس فيها سكوت حقيقي، إنما هي الذكر والتسبيح وقراءة القرآن، وما يظهر فيها من سكوت على رؤوس الآيات، فهو للتدبر، أو للتنفس الذي لا بد منه.
د- لو كان سكوت الإمام بعد تكبيرة الإحرام، من أجل قراءة المأمومين الذين أدركوا معه تكبيرة الإحرام؛ لكان عليه أن يسكت أيضاً لمن جاء متأخراً بعد شروع الإمام القراءة، وهذا يفضي إلى عدم تمكن الإمام من قراءة شيء، لأن المتأخرين ليس لهم حد ينقطعون فيه.
أما القول الثاني، بالقراءة في السكتات، فهو إما أن تكون في السكتات الأربع السابق ذكرها، وإما أن تكون في سكتات الإمام على رؤوس الآيات:
(1) () المغني (2/ 266).