تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صُورٌ إيمانية

ومِن صور الإيمان السامية التي نتطلع إليها كنبراسٍ مُضيء، وكمَثَل أعلى ننظر إليه في احترام وقداسة، ونُحاول أن نتَّخذ منه أُسوةً وقُدوة الصور الآتية:

تروي كتب السيرة النبوية، وكتب الأحاديث الشريفة: أن رجالاً مِن أشراف قريش مشَوا إلى أبي طالب، فقالوا له: يا أبا طالب، إنَّ لك سِنًّا وشرفًا ومنزلةً فِينَا، وإنا قد استَنْهَيْناكَ مِن ابن أخيكَ فلم تَنْهَهُ عنَّا، وإنا واللهِ لا نصبر على هذا: مِن شتْم آبائنا وتَسفيهِ أحلامنا وعيْب آلهتنا حتى تَكُفَّهُ عنَّا، أو نُنازله وإيَّاك في ذلك حتى يَهلك أحدُ الفريقين.

ثم انصرفوا عنه في عزْمٍ مُصمِّمٍ، وفي إرادة مُريدة، فعظُم على أبي طالب مِن جانبٍ فِراقُ قومه وعداوتهم له، ولكنه مِن جانب آخر لم يَطِبْ نفسًا بإسلام رسول الله لهم ولا خِذلانه، ووقع في حَيرة مَريرة، واستغرق في تفكيرٍ عميق ثم بعَث إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقصَّ عليه نبَأ قومه ثم قال له:

يا ابن أخي: أَبْقِ عليَّ وعلى نفسك ولا تُحمِّلني ما لا أُطيق. فظنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قد بَدَا لعَمِّهِ رأيٌ جديد، وأنه خاذِله ومُسْلِمُه، وأنه قد ضعُف عن نُصرته، والقيام معه، وفي لَمْحة فكرية عميقة مُستغرقة تكشَّف لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المستقبلُ بدون نُصرة عمِّه، فإذا به يَزداد ثِقة بالله، وإيمانًا بنَصره وإذا به يقول: "واللهِ لوْ وَضَعُوا الشمسَ في يَميني والقمرَ في شِمالي على أن أتْرُكَ هذا الأمرَ حتى يُظهره اللهُ أو أهلِك فيه ما تركتُه".

ثم قام واثقًا بالله ـ تعالى ـ ثِقةً لا تُزعزعها الأعاصير، ثقة تَمِيدُ دونها الجبال، ولا يَميد، فلمَّا ولَّى ناداه أبو طالب فقال: أقبلْ يا ابن أخي، فأقبلَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال له: اذهبْ يا ابن أخي فقلْ ما أحببتَ، فواللهِ لا أُسْلِمُكَ لشيءٍ أبَدًا.

فتاوي عبد الحليم محمود · الصفحة ٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فتاوي عبد الحليم محمودص ٦٤