سياسة الأنبياء للعقول والنفوس
ولهذا نقول: إن الأنبياء يأتون بسياسة العقول وسياسة النفوس ولو استنكر الإنسان؛ لأن ما تحمله أنت ليس ملكاً لك، وإنما هو لمن جاء بعدك، فإذا انفرد الإنسان بأمر باختيار الرأي، أو اختيار الفكر، أو اختيار القناعات، فهذه القناعات لو كانت فردية تموت بموت الإنسان لكان الأمر إليه، ولكنها تتحول إلى غيره، ولهذا الأحكام, والعقائد, والآراء والأفكار التي تمس الديانة ليست للإنسان وإنما لله سبحانه وتعالى، ولهذا قال الله جل وعلا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، هل الحكم عبادة؟ نعم عبادة؛ لماذا؟ لأنه ليس ملكاً لك، الإنسان لا يستطيع أن يبدل لباس أهل بلده؛ لأنه ورثه عن أبيه وجده ولا خيار له بهذا غالباً، لم يستطع كل جيل أن يغير اللباس فكيف يغير الأفكار؟ لأنها لا تتغير إلا بعد أجيال مديدة، ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل الأمر لديه، حتى لا يفرضه أحد على أحد، والله سبحانه وتعالى جعل الأمر إليه أيضاً وحمى دينه من التبديل بالبدع والشبهات؛ لماذا؟ لأن أفكار البشر تبنى كحال الهرم ثم تتحول عن بدايتها، اللبرالية الغربية نشأت من مبدأ حرية العمل والاقتصاد، ثم تحولت إلى الأخلاق, ثم إلى نكاح الذكور بالذكور، ونكاح الإناث للإناث، بل نكاح البهائم أيضاً، هذا التحول هل الذين ابتدءوا بهذا الفكر كانوا يظنون أن هذا الأمر سيتحول إليه؟ ما كان يخطر في بالهم، لو تيقنوا ذلك لتبرءوا من هذا الفكر بالكلية، ولهذا نقول: إن الغرب إنما تركوا الدين المبدل إلى الرأي المجرد؛ لأنهم لا يوجد لديهم بديل، أما هذه الأمة فهي أمة دين صحيح تام، حفظ الله عز وجل عليها رأيها، وحفظ الله عز وجل عليها شريعتها، وحفظ الله سبحانه وتعالى عليها آدابها وأخلاقها.