تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جواز التحريق وقطع الأشجار وغيرها:

قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (5) سورة الحشر

وفي صحيح البخارى (4031) عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ حَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَخْلَ بَنِى النَّضِيرِ وَقَطَعَ وَهْىَ الْبُوَيْرَةُ فَنَزَلَتْ ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (5) سورة الحشر

لَمَّا حَاصَرَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بَنِي النَّضِيرِ فِي حُصُونِهِمْ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخْلِهِمْ إِرْعَاباً لَهُمْ، فَبَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ يَقُولُونَ: إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ الفَسَادِ، فَمَا بَالُكَ تَامُرُ بِقَطْعِ الأَشْجَارِ؟ فَانَزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ وَفِيهَا يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنينَ: إِنَّ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ أَشْجَارِ النَّخِيلِ، وَمَا تَرَكْتُمُوهُ دُونَ قَطْعٍ فَالجَمِيعُ بِإِذْنِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ، وَلاَ بَاسَ عَلَيْكُمْ فِيهِ وَلاَ حَرَجَ، وَفِيهِ نِكَايَةٌ وَخِزْيٌ وَنكَالٌ لِلفَاسِقِينَ الخَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ.

وقال القرطبي:

فيه خمس مسائل:

الأولى: قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ﴾ «ما» في محل نصب ب «قَطَعْتُمْ»؛ كأنه قال: أي شيء قطعتم. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل على حصون بني النضير وهي البُوَيْرة حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أُحُد، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها. واختلفوا في عدد ذلك؛ فقال قتادة والضحاك: إنهم قطعوا من نخيلهم وأحرقوا ست نخلات. وقال محمد بن إسحاق: إنهم قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة. وكان ذلك عن إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بأمره؛ إمّا لإضعافهم بها وإما لسعة المكان بقطعها. فشقّ ذلك عليهم فقالوا وهم يهود أهل الكتاب: يا محمد، ألست تزعم أنك نبيّ تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل الله عليك إباحة الفساد في الأرض!؟ فشقّ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم. ووجد المؤمنون في أنفسهم حتى اختلفوا؛ فقال بعضهم: لا تقطعوا مما أفاء الله علينا. وقال بعضهم: اقطعوا لنغيظهم بذلك. فتزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع وتحليل من قطع من الإثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله. وقال شاعرهم سماك اليهودي في ذلك:

ألَسْنا ورِثنا الكتاب الحكيم ... على عهد موسى ولم نَصْدِفِ

وأنتم رِعاءٌ لِشاءٍ عجاف ... بسَهْلِ تِهامة والأَخْيَف

تَرَوْن الرعاية مجداً لكم ... لدى كلّ دهرٍ لكم مُجْحف

فيأيها الشاهدون أنتهُوا ... عن الظلم والمنطق المُؤْنف

لعل الليالي وصَرفَ الدُّهور ... يُدِلْنَ من العادل المنصف

بقَتْل النَّضِير وإجلائها ... وعَقْرِ النخيل ولم تُقْطفِ

فقه الجهاد .. دراسة تأصيلية · الصفحة ٦٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الجهاد .. دراسة تأصيليةص ٦٥٥