ما ترونه اليوم من ميل أهل "اختلف العلماء" إلى أهل الرأي، وظنهم أن قواعدهم مبنية على إدخال "الرأي" بمعنى الشهوة، وإدخالهم "العقل" بمعنى "النتاج الإنساني" وإدخالهم "البُعد الإنساني" بمفهومها المعاصر لحقوق الإنسان، وإدخالهم "المصلحة" بمعناها الشخصي والذاتي، فهل هذه بحق قواعد فقهاء "أهل الرأي" من الأحناف وغيرهم من أهل العراق؟! أو هل هي بحق قواعد "المالكية" أو هل تمتُّ إلى الفقه بصلة؟!
إنها القراءات "التشييئية" لا أكثر ولا أقل، والقراءات "الإسقاطية" بمعناها الواضح الصريح، هذه القراءة الفاسدة قراءة لا تقتصر على النص الديني المعصوم، ولا على قراءة "الفقه والفتوى" ولكنها قراءة الكثيرين اليوم في دراستهم وأبحاثهم، وهي قراءة الكسالى من عموم القرّاء.
هناك مسألة شائكة حول القول "بحوادث لا أول لها"، لها علاقة بفهم الكون ونشأته، ولها علاقة بفهم النص المعصوم، ولها علاقة بمن يقول هذا القول وينفيه من الفلاسفة والعلماء.
ابن تيمية أثارها في داخل الصف الإسلامي حيث كانت محسومة كمصطلح يتصارع عليه المتكلمون والفلاسفة، وقد حُسم الصراع بأن الفلاسفة كفار للقول به، قال المتكلمون، وجاء ابن تيمية ليناقشه ضمن رده على أصول المتكلمين وفهمهم ولوازم ما يعتقدونه في صفات الله تعالى.
هناك من القدماء والحديثين من هو عدو لابن تيمية لعموم منهجه ودعوته فرآها فرصة لإخراجه من الملة.
وهناك من دافع عنه بأن زعم أن هذا ليس قوله، بل قول قاله في سياق المناظرة.
وهناك من نسبه له على فهم الفلاسفة، ولا أثر لموضوع "القدم النوعي" ومعناه في تفسيره لكلام ابن تيمية كما فعل جعفر الشيخ إدريس.
ولكن أقول "وباعتذار" أن كل هذه القراءات قراءات (تشييئية) و (إسقاطية) لا يوجد فيها قراءة أمينة شاملة (1).
مثل هذه المسألة ومسائل حولها لا تحل إلا بالقراءة الشاملة الأمينة والناقدة.
إن هذه القراءة -وهي الاستقراء التام-، هي التي قامت عليه علوم الشريعة، وما زالت الكثير من القضايا تحتاج إليه، فلا يوجد علم يُقال عنه "نضج واحترق" كما وصف بعض أهل العلم بعض العلوم، فإن العلوم الحية تأبى هذا الوصف، وليس هناك مثل علوم الشريعة حياة.
(1) سمعت أن باحثة جادة خليجية كتبت فيها رسالة علمية قرظها وقدم لها سفر الحوالي ولم أقرأها، وهي من أمنياتي.