والمتدفق عبر صفوف النوافذ السنة القائمة بعضها فوق بعض. وثمة مئذنتان نحيلتان رشيقتان ترتفعان فوق الجامع الذي احتل وملحقاته من المدارس والحمامات والمطابخ، بالإضافة إلى الخانات (وهي البيوت والنزل التي تستضيف الغرباء فيطعمون وينامون بالمجان) ودار العجزة والمستشفى، قمة الربوة التي تعلو الجسر القديم بكاملها. والى يمين الباب الرئيسي لوحة رخامية رقم عليها بأحرف من الذهب، هذا الحديث النبوي، الذي تحقق على أيدي السلطان محمد الفاتح: التفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش.
وقام السلطان محمد بناء عشرة مساجد أخرى، بالإضافة إلى المسجد القائم قرب ضريح الشهيد الصحابي أبي أيوب الأنصاري الذي لقي وجه ربه سنة 57 ه = 977 م في عهد معاوية بن أبي سفيان، فلما ألقى السلطان محمد الحصار على القسطنطينية رأي الشيخ آق شمس الدين رؤيا بموضع قبر أبي أيوب قرب السور، وصدق الرؤيا، وتم الكشف عن القبر، مما ألهب الحماسة في قلوب المجاهدين في سبيل الله، فلما تم الفتح شيد
أبو الفتح) مسجدة على مكان قبر أبي أيوب الأنصاري سنة 864 ه = 1959 م. وقد تم تشييد هذا المسجد كله بالرخام الأبيض، وفي وسطه مقام الشهيد الذي هو مربع بسيط تعلوه قبة، وكان سلاطين بني عشان بعدئذ يقلدون في احتفال رسمي، عقب مبايعتهم بالخلافة، سيف عثمان من يد شيخ الطريقة المولوية (بيوك جلي). ولقد دفن غير بعيد من هذا المقام، عدد من السلاطين، وأقربائهم، وكبار رجال الدين ورجال الدولة.
وسرعان ما أضيفت إلى كل من هذه المساجد التي شيدها السلطان محمد مكتبات حافلة بكنوز من التراث والعلوم الإسلامية باللغات الثلاث: العربية والفارسية والتركية. فلم يكن ما ينافس هذه المكتبات أو يضاهيها في غناها واتساعها.
ليس ذلك فحسب، بل لقد ألحقت بهذه المساجد معاهد للتعليم تتسع لسكني الأساتذة والطلاب ومستشفيات ومطاعم للفقراء وخانات للمسافرين وحمامات وآبار، كان السلاطين ووزراؤهم يتنافسون في إنشائها وتعهدها.