المقدمة
(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما کسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون) *
وتلك هي أمة من أمم المسلمين، قد خلت، بعد أن شغلت الدنيا لأكثر من ستة قرون من عمر الزمن، وتبوأت أعلى مراتب العزة والقوة والرفعة، وحملت عن المسلمين كافة أعباء الجهاد في سبيل الله على جبهة الغرب (أوروبا)، فنعمت أقطار العالم العربي الإسلامي بالهدوء والاستقرار.
لقد انطلقت تلك الأمة، المعروفة باسم الأتراك العثمانيين، من خلال مفهوم الجهاد في سبيل الله، حيث كانت الحملات الصليبية قد انحسرت عن أرض بلاد الشام، وحيث كانت حملات المغول التتار قد دمرت رمز الوحدة الإسلامية التي تمثلت بالخلافة العباسية. غير أن حملات الفرنج الصليبيين لم تكن قد وصلت إلى نهايتها، وكذلك خطر المغول التار لا زال جائما على صدر المسلمين. فكان على هذه الأمة الصغيرة - العثمانية - أن نشق طريقها عبر متاهات مظلمة، وفي وسط أعاصير هوجاء تعصف من كل اتجاه.
وكان أخطر ما في الأمر هو تمزق الجبهة الداخلية الإسلامية بين مجموعات من مراكز القوى المتصارعة في معظم الأحيان، والمتعاونة في بعض الأوقات. فكان لا بد لكل عمل ناجح من أن يبدأ بتوحيد الجبهة الداخلية، وبناء القاعدة الصلبة، ولقد استغرق هذا العمل زهاء قرنين من عمر الزمن استطاع العثمانيون خلالها دمج كل
* الجزء الأول - سورة البقرة - الآية: 141.