فقد برز من خلال المراسيم (الفرمانات) الاصلاحية التي أصدرها السلاطين العثمانيون في فترات مختلفة، حرص الدولة الشديد على الالتزام بقواعد التجنيد، بحيث لا يؤدي ذلك إلى تعطيل الزراعة أو التجارة أو سواها من الخدمات والأعمال الاجتماعية، إذ أن تعطيلها سيؤدي إلى ضعف موارد الدولة ومواطنيها على السواء، مما يضعف بالتالي من قدرة الدولة ومن قدرة قواتها المقاتلة ماديا ومعنوية. ويتوافق ذلك مع المعطيات الحديثة لما بات معروفة باسم (اقتصاد الحرب) إذ من المحال على دولة تعتمد على قدراتها الذاتية أن تنظم جيشا ضخما يتجاوز حدود امکاناتها. وعلى الرغم من ذلك، فقد وجدت الدولة العثمانية - في وقت متأخر من عهدها - مرغمة على التضحية بهذا المبدأ. وحشد قوات ووسائط أكبر من قدراتها وامكاناتها للرد على التحديات الثقيلة التي فرضت عليها. غير أنها كانت تحاول في كل مرة إعادة التوازن المفقود حتى تستطيع متابعة مسيرتها الشاقة عبر العداء المتزايد ضدها. وفي مجال تنظيم القوات المسلحة، كان هناك ثمة توازن رائع يحكم موازين القوى، وكان مؤشر هذه الموازين يتأرجح تبعة للهدف المرحلي. فكان ميزان القوى يتجه لدعم القوى البحرية عندما يتطلب الموقف، ثم يجري تحويل الجهد لقوات المدفعية وقوات الفرسان في فترات أخرى، ويؤكد ذلك مرة أخرى المرونة الكبرى التي اكتسبتها القوات المسلحة العثمانية - في جميع صنوفها - في مجال إعادة التنظيم. بحيث كانت هذه القوات منحررة تحررة كاملا من كافة القيود - إلا من القيود التي يحددها الواجب والتي تفرضها متطلبات المرحلة .. وقد اعتبر ذلك لدى بعض الباحثين بمثابة نقطة ضعف في تنظيم القوات المقاتلة العثمانية، غير أن التحليل الموضوعي لتتابع الأعمال القتالية وتطوراتها مع مقارنة ذلك بقدرات الدولة وإمكاناتها، يؤكد أنه كان من المحال على الدولة العثمانية الاحتفاظ بقوات مقاتلة في تنظمات ثابتة بمقدار - أو بحجم. كبير لفترة طويلة، وابقاء هذه التنظيمات والقوى والوسائط بدون عمل ولا مهمة، بينما تتطلب الواجبات والأعمال القتالية توجيه الجهد لتنظيات وقوى أخرى - كالقوات البرية عامة أو بعض صنوفها مثل الفرسان أو المدفعية أو الهندسة العسكرية الخ ... ويظهر ذلك - بصورة غير مباشرة - سبب حرص القيادات العثمانية - على اختلاف
فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٣٢٢٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
فن الحرب الإسلاميص ٣٢٢٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي