تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فتراجعت إلى ما وراء المدفعية التي تلقت أمرا من السلطان بالتعامل مع فرسان العدو ومشاته (فاطلقت المدافع قذائفها تباعا، ورنوالي اطلاقها بسرعة غريبة، أوقعت الرعب في قلوب المجريين، فأخذوا في التقهقر، وتبعهم جند المسلمين وطاردوهم حتى قتل أغلب فرسان المجر. وقتل ملكهم لويس).

ومضت ثلاثة قرون قبل أن يستخدم قائد المدفعية الفرنسية (نابليون بونابرت) مدفعينه لتنفيذ مهمة مماثلة لقمع الثورة في مرسيليا. ويظهر ذلك تفوق العثمانيين، لا في التسلح والتنظيم فحسب، بل في استخدام ما هو متوافر من القوى والوسائط استخدامة تجلت فيه أروع أشكال الابداع في إدارة الحرب.

لقد كانت عملية إعادة التنظيم المستمر، على مثل هذا المستوى، وبمثل هذه النوعية، برهانا على ما توافر للدولة العثمانية وجيوشها من القدرة المبدعة والمتدفقة بحيوية والدفاع يصعب وصفها. ويبرهن ذلك أيضا على ما توافر من الاحتياطيات المادية الضخمة التي خصصت للحرب، سواء كانت هذه الاحتياطيات على مستوى الصناعة، أو على مستوى القدرة البشرية المقاتلة. وذلك بمقياس تلك الحقبة الزمنية التي عاشتها الدولة العثمانية، وبالمقارنة مع مثيلاتها أو نظائرها في الدول الأخرى. ولم تكن عملية (إعادة التنظيم) محددة بحدود معينة، وإنما كانت شاملة تبعا للمستجدات والتطورات. وهكذا فعندما استدعت الحاجة إعداد الضباط إعدادا خاصا، جري فتح الكليات لتخريج ضباط المدفعية وضباط المشاة وضباط البحرية. وعندما ظهرت الحاجة التأهيل القادة على فنون إدارة الحرب. جرى فتح معاهد عليا (کليات تبادة وأركان). ولم تكن الدولة العثمانية مغلقة على ذاتها، بل كانت منفتحة على كل جديد، ولهذا لم يكن غريبا أن تستعين الدولة العثمانية بالخبراء من الدول الأجنبية. ألمانيا خاصة. غير أنها بقيت معتمدة على قدراتها وامكاناتها بالدرجة الأولى.

لعل من أهم ما يثير الانتباه في موضوع (إعادة التنظيم) هو ذاك التكامل في إعادة التنظيم على كافة مستويات الدولة من جهة، وعلى مستوى كافة صنوف الأسلحة من جهة ثانية، وذلك جميعه في إطار محكم من التوازن بين (هدف الحرب) و (ثمن الحرب).

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٣٢٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٣٢٢٣