والإبادة كمثل ما طبقها الاستعماريون الغربيون، لأحكام سيطرتهم. إذ أن (الانسان) هو الهدف من نشر الدين الإسلامي، وإذن فلا بد من العمل على حماية هذا الإنسان - فقد يخرج من أعقابهم من يعتنق الإسلام ويخلص له. وقد تحقق ذلك على امتداد الزمن. وهو ما برهن عليه التاريخ في مرات لا نهاية لها. وهو أيضا الأمر الذي بقي مستمرة في الأزمنة الحديثة، رغم ضرارة الحرب الصليبية وقسوتها وتنوع أساليبها.
يظهر من ذلك أنه لم يكن أمام العثمانيين خيار آخر، وقد أخذوا عن أسلافهم العرب المسلمين مذهبهم العسكري، غير أن يفرضوا القيود الصارمة على استخدام قواتهم المسلحة - المجاهدين والغزاة - للالتزام بهدف الحرب. والإعراض عن تيار اغراءات (نشوة النصر) التي تتطلب قهر المغلوب وإذلاله واستباحة أراضيه وممتلكاته. على نحو ما كانت تفعله القوات الاستعمارية .. غير أن العثمانيين عملوا بدورهم على تطوير ما كان يفرضه (هدف الحرب) عليهم من علاقات اجتماعية. فاكتفوا في حالات كثيرة على ابقاء هذه العلاقات في (حدود رمزية).
لم يكن هذا التطوير على كل حال برهانا على الضعف، إذ أن ما كان مهمة بالنسبة للعثمانيين حتى في المرحلة الأخيرة من حياة الدولة هو بقاء الإسلام وأهله في منعة وقوة. وقد برهن هذا التطوير على نجاحه في بلوغ الهدف. وليس أدل على ذلك من بقاء الإسلام، راسخ الجذور، قوي البنيان، في كثير من أقطار أوروبا الوسطى، على الرغم مما تعرض له المسلمون من الاضطهاد والتنكيل للارتداد عن دينهم الذي اعتنقوه من إيمان وقناعة، ودافعوا عنه بصدق وإخلاص.
قد يكون من طبيعة الأمور أيضا أن يتطور فن الحرب العثماني تطورة كبيرة، وذلك تبعا لتطور هدف الحرب من جهة، وتطور الوسائط القتالية من جهة أخرى. فقد ظهرت الدولة العثمانية مع بداية القرن الرابع عشر تقريبا. ولم تكن الأسلحة النارية يومها قد دخلت في تسليح الجيوش.