تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخلفاء العثمانيون، فساروا على هذا النهج ذاته في بناء المساجد في كل مكان تقوم قوات المسلمين بفتحه، ولازالت منارات تلك المساجد قائمة في كثير من عواصم الغرب ومدنه، مما يذكر أيضا (بمسجد الرابات) الذي أمر (موسي بن نصير) ببنائه في موضع نزوله من أرض الأندلس. بالإضافة إلى المساجد الكثيرة التي لازالت آثارها قائمة على أرض الدنيا.

يبقى العامل الأكثر أهمية هو تنظيم العلاقات الاجتماعية الجديدة بين المسلمين الذين فتحوا البلاد، وبين أبناء البلاد المستوطنين فيها. ومن المعروف أن هذه العلاقات قد نظمت في أول مدينة فتحها الله للمسلمين (دمشق) بموجب معاهدة لازالت بنودها نموذجا لما يمكن أن تكون عليه العلاقة بين الشعوب. وكذلك جرى الأمر بعدئذ في بلاد العراق ومصر، وفي بلاد فارس أيضا. حيث كانت هذه العلاقات تنتظم على أسس واضحة وقواعد ثابتة. وعندما جرى فتح القسطنطينية، نظم السلطان محمد الفاتح العلاقات على الأسس والقواعد ذاتها. مما أشاع الطمأنينة ووطد الثقة بين المسلمين وغير المسلمين. وسار الخلفاء العثمانيون على هذا النهج، فمنحوا الحريات الدينية وحريات العمل بل حتى حق الإدارة الذاتية للأقاليم التي فتحوها كافة في شرق الأرض ومغربها. مما لم يتمكن كثير من الباحثين الغربيين - رغم أحقادهم - من الاعتراف به، وبفضل الإسلام الذي ضمن الحق والعدالة لأبناء الإنسانية، على اختلاف أقوامهم وتباين مذاهبهم.

ليست هذه إلا بعض الظواهر المميزة لما يمكن تعريفه بلغة العصر (بالسياسة الاستراتيجية - أو السياسة العليا) والهادفة لتحقيق التوازن بين (هدف الحرب) و (غاية السلم). إذ لم يكن هدف الحرب في المذهب العسكري الإسلامي - وكما سبق ايضاحه - إلا تدمير القوات المسلحة المعادية والتي تتصدى لمقاومة المسلمين من أجل

فساح المجال أمام بناء المجتمع العربي - الإسلامي، وإبلاغ رسالة الإسلام من خلال الأنموذج الفاضل الذي يشكله المجتمع العربي - الإسلامي - السكان البلاد بعد ذلك حريتهم في البقاء على دينهم وعاداتهم وتقاليدهم وقوانينهم، أو اللحاق بالمجتمع العربي - الإسلامي. وقد برهن هذا النهج على نجاحه وفاعليته، حيث كان الناس

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٣٢١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٣٢١٤