الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون) (*) صدق الله العظيم. ولهذا فقد عملوا طوال تاريخهم على الانتصار بالمسلمين على أعداء الله، ولم ينتصروا بكافر على كافر، ولو أنهم لم يرفضوا التحالف مع هؤلاء الكفار في بعض الأحيان. إما لتفتيت جبهة أعدائهم واضعافها في إطار سياسة استراتيجية مرحلية واضحة، وإما من أجل إحراز تفوق في موازين القوى بإضافة قوى جديدة لإلقائها في كفة الميزان ضد أعدائهم. و كان مثل هذا التحالف في معظم الأحيان سببا في دخول أقوام جديدة في دين الإسلام، بسبب ما كان يفنهره العرب المسلمون من الوفاء لحلفائهم، وعدم الغدر بهم، أو حتى دعمهم مقابل ما كان قد قدمه هؤلاء للمسلمين من الدعم والمساعدة. ولهذا أيضا، اعتبر العرب المسلمون أن كل انتصار يحققه المسلمون، في أي قطر من أقطار الدنيا، هو انتصار لهم جميعا، وهو كذلك فعلا، لاسيما عندما يتحقق مثل هذا الانتصار في دولة حملت راية الجهاد في سبيل الله طوال عهود وعهود، وفي وقت لم يكن فيه قائد هذا الانتصار (مصطفى كمال أتاتورك) قد أسفر عن إشهاره (الردة). يمكن بعدئذ تصور مدى الاحباط الذي أصاب العرب المسلمين - خاصة - ومدى الألم والمعاناة التي عانوها بنتيجة الردة (الاتاتوركية) التي تركت الأقاليم العربية محرومة من وحدة القيادة وتنسيق التعاون في وقت كانت فيه هذه الأقاليم أحوج ما تكون - منذ ظهور الإسلام - لمثل هذه القيادة الواحدة التي تحشد كافة قوى المسلمين وقدراتهم في جبهة واحدة. وفي الواقع، وعلى الرغم مما أحيطت به الردة من الحالة الاعلامية - الدعائية - في العالم كله، والتي أعمت العيون وأصمت الأسماع، فإن ما أصيب به الأتراك من خيبة أمل ومن إحباط ومرارة لم يكن بأقل مما نزل بساحة إخوانهم العرب المسلمين، ولكنهم كانوا مثلهم عاجزين عن القيام بأي عمل مضاد بعد أن نصبت عليهم قيادة مصنعة وموجهة، وبعد أن وجدوا أنفسهم في فراغ قيادي مرعب. بحيث لم يكن لهم من خيار، غير الخيار الوحيد الذي فرض عليهم، خيار (الردة) الاجبارية.
ليس ذلك هو الأمر المهم، أو القضية الحاسمة، على كل حال. بل إن ما هو أكثر خطورة يتمثل في تطوير نهج الحرب الصليبية الجديدة لتمزيق كل
(*) الجزء الثامن والعشرون - سورة المجادلة - الآية: 22.