تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأرض، للتأكيد بأنه من المحال في معظم الحالات بناء حضارة أحادية الجانب - أو ذات وجه واحد. وأن مثل هذه الحضارة إن ظهرت فمصيرها إلى الفناء والزوال بسرعة. وتلك هي (حضارة اسبارطة) التي لم يبق منها إلا ظلال باهتة، ومثلها حضارة المغول التتار التي لم يعرف منها غير جانبها الحربي المدمر. والتي انتهت بدورها إلى الزوال والاندماج بغيرها. ذلك أن مثل هذه الحضارة (المدمرة) تحمل في ذاتها بذور فنائها واندثارها، وهي من هذه الناحية تحرم ذاتها من اسم (الحضارة) ومن صفاتها وميزاتها. فالحضارة هي بناء وتقدم وتطور، وبدهي أن الحرب تدمر كل بناء وتقدم وتطور، غير أن ميزة الحضارة المتكاملة هي أنها تهدم البنى القديمة لتقيم على أنقاضها بناء أكثر ملاءمة لمتطلبات الإنسان وأكثر تلبية لاحتياجاته. فالدور الذي تمارسه كل حضارة هو هدم وبناء في آن واحد، هدم المجتمعات الممزقة لإقامة مجتمع متماسك، وهدم القيم والأفكار والمثل المنهارة لإقامة قيم فاضلة وأفكار سامية ومثل نبيلة. وبذلك يصبح دور العسكرتاريا - أو الحرب - هو الإسهام في عملية الهدم، لا باعتبار المدم هدفة في حد ذاته وإنما وسيلة لإقامة بنيان حضاري جديد يختلف اختلافا كليا عن الأنقاض التي أقيمت عليها هذه الحضارة. وهذا مما يسمح للحضارة الجديدة بالبقاء والاستمرار والتطور.

تتميز الحرب بطبيعتها بأنها تطلق فعاليات المجتمع وأنشطته حتى أقصى مداها. ولهذا لم يكن غريبا أن تتطور العلوم والآداب والتقانة خلال هذا القرن بأكثر مما حصلت عليه من التطور عبر تاريخها الطويل. فلقد عاش هذا القرن وعرف حربين عالميتين، بالإضافة إلى عدد كبير جدا من الحروب التي امتدت إلى أرجاء الكرة الأرضية جميعها. وكان لزاما مع هيجان الحروب، ومع ما تثيره من انفعالات، أن تتفتح مجالات الابداع والتجديد لتشكل حضارة جديدة لها طابعها المميز، وليس المجال هنا هو تقويم معطيات هذه الحضارة الجديدة، وهل حملت للإنسان خيرة أم شرة؟ وهل رفعت من مكانته أم دفعته إلى الحضيض؟ وإنما المهم هو أنها جاءت بحضارة جديدة حار العلماء والأدباء والفنانون - حتى الآن - في اعطاء وصف لها، أو حتى الاتفاق على تسميتها. فمن قائل أنها (حضارة الالكترون) أو (حضارة العصر

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٣١٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٣١٩٥