الإسلامية - والعربية منها - والتي أخضعتها لاستعمارها بحجة (نشر الحضارة الغربية المتفوقة) (حضارة الرجل الأبيض). ويمكن التساؤل عما قدمته هذه الحضارة المتقدمة للإنسان المسلم وللشعوب الإسلامية، غير الافقار والاستنزاف وتعميم الجهل باسم المعرفة. ثم زالت شمس الاستعمار الغربي، فهل أصبحت الدول الاستعمارية متخلفة بحسب المقاييس والمعايير الغربية ذاتها؟ لقد أصبح الفارق التقني، والقدرة على الانتاج الصناعي الكثيف، فارقة كبيرة بين الدولتين العظميين وسائر الدول الغربية. وإذن فقد آن لهذه الدول أن تشرب من الكأس ذاته. وأن توجه الاتهامات إليها كمثل ما كانت هي توجهها للدولة العثمانية. ويظهر ذلك مدى ما لحق بالدولة العثمانية من الظلم، ومن التجني والافتراء. في وقت قلما جرت محاولات لتقويم الانجازات العثمانية بصورة واقعية وحقيقية؛ بل اسدل عليها عن عمد و سابق نصور وتصميم ستارة كثيفة من الصعب اختراقه لمعرفة ما وراءه من معطيات الخير والتقدم والتطور.
لعل من أغرب الأمور بعدئذ هو محاولة تبرئة الغرب الاستعماري الذي أجهز على الدولة العثمانية واستعمر الأقطار التي بترت عن جسد هذه الدولة من جريمة ما لحق بهذه الأقطار من (التخلف) وإلقاء التهمة على الدولة العثمانية، لعدم وجود من يدافع عنها، في حين تتصدى الأبواق الاستعمارية للدفاع عن ذاتها من خلال القول بأن أربعة عقود أو ثلاثة عقود على الأقل قد انقضت على استقلال معظم الأقطار التي كانت خاضعة للاستعمار، فما هي الانجازات التي حققتها الدول حديثة العهد بالاستقلال للقضاء على (التخلف)؟ إذا كان الأمر كذلك فلماذا يتم تجاوز مرحلة الاستعمار للذهاب - زمنية - إلى العهد الذي سبق الاستعمار الغربي وهو العهد العثماني، وتحميله مسؤولية (التخلف)؟. ثم هل هناك من يجهل بأن انحسار الوجود الاستعماري - العسكري - لم يتبعه القضاء على رواسب الاستعمار: فهل أمكن إزالة الحدود التي رسمتها معاهدة (سايكس بيكو) لتجزئة بلاد الشام؟ وهل الحرب العراقية الايرانية التي استنزفت قدرة الأمة العربية لعقود وعهود غير راسب من رواسب البؤر المتفجرة التي خلفها الاستعمار البريطاني؟ وهل الحروب الهندية - الباكستانية غير ثمرة من ثمار المخططات البريطانية في منطقة جنوب شرق آسيا؟ وهل الصراع بين المغرب والجزائر