ما يبدد كل الشبهات عن الاتهامات الجائرة التي وجهت للدولة العثمانية الإسلامية في قضية علاقاتها مع الشعوب المختلفة، والديانات المتباينة، والمذاهب المتفرقة.
لقد استقلت معظم تلك الشعوب الأوروبية عن الدولة العثمانية، ومضى على استقلال بعضها أكثر من قرن من عمر الزمن، وحظيت بدعم الدولة العظمي، بعضها دعمنه الدول الغربية وبعضها حصل على الدعم من الاتحاد السوفييتي. فهل انتقلت تلك الدول إلى مصاف الدول العظمي؟
لقد كانت الهوة الفاصلة بين تقانة العالم الغربي الصناعي، وبين سائر تلك الشعوب المحرومة من التقانة الصناعية هي هوة ضيقة ومحدودة بحيث لا يتطلب تجاوزها جهدا كبيرة، وبالرغم من ذلك لم تتحول إلى دول صناعية متقدمة. هذا إذا اعتبرت التقانة الصناعية وحدها هي مقياس للتقدم والتطور. وكل ما فعلته تلك الدول لدى هذا الانتقال النوعي - بانفصالها عن الدولة العثمانية، من تبعية لدولة مسلمة إلى تبعية لدولة صليبية، لم تحمل لها خيرة ولا نفعة، بل ربما لو بقيت تحت حكم الدولة العثمانية، وأفادت من الامتيازات التي كانت ممنوحة لها لقطعت شوطا أبعد في مضمار الصناعات وفي مجالات التطور الحضاري الأخرى.
هنا لا بد من القول أيضا أن الدولة العثمانية، رغم ما أحاق بها من البلاء، ورغم ما نزل بساحتها من الضيق والعسر، فإنها لم تتخلف عن الأخذ بكل ما هو مفيد في مجالات الصناعة وتطور التقانة. ولازال - على سبيل المثال - خط الشرق السريع شاهدا على محاولات الدولة العثمانية لسباق الزمن. وكانت الدولة العثمانية من أوائل الدول التي حاولت، وعملت على ربط كافة ولاياتها المتباعدة بأجهزة الاتصال البرقبة (التلغراف). وأقامت صناعات مختلفة. وكانت صناعاتها اليدوية مزدهرة بما لا زالت رواسبه باقية حتى اليوم، وهي تشهد بما امتلكته الدولة العثمانية من التقدم والتطور، ومما لا ريب فيه هو أنه لو تركت للدولة العثمانية الإسلامية لمعالجة مشكلاتها ولو لفترة قصيرة، لاحتفظت بمكانة متقدمة في الأزمنة الحديثة، بسبب امتلاكها لكافة متطلبات التطور الحديثة (موارد اقتصادية وبشرية ومناجم وخبرات متنوعة).