تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يتعارض، أيضا مع توافر عناصر داخلية مستعدة للقيام بدور المحرض والمهيج للفتن.

فتاريخ الأمم والشعوب حافل منذ أقدم الأزمنة وحتى اليوم بقصص الثورات والاضطرابات يقودها رجال يستولي عليهم الطمع للحصول على مقدار أكبر من خير الدنيا وثروتها، فيما يطمح آخرون لتحقيق مثل أعلى يحقق وجودهم ويخلد ذكرهم من بعد هم، وآخرون يحبون العيش في مناخ الشر والفتنة، لا هدف لهم إلا الشر والفتنة، وقد تجتمع هذه الفئات الثلاث عندما تتوافر لها فرصة للعمل، وتلتقي بها فئات أخرى فتحدث الفتنة ويقع البلاء، وتنفجر الحروب والثورات. ولطالما اصطدم المصلحون. الذين أرادوا الخير - بقوى الشر والبغي، فمنهم من حالفه النجاح ومنهم من جافاه الحظ. وإذن فلا يمكن القول بأن التحرك الاجتماعي في فترة معينة هو تعبير عن وجود الفساد، بقدر ما هو تعبير عن حالة ضعف الدولة خلال تلك الفترة الزمنية. وعلى سبيل المثال: فقد وقعت ثورة اشتراكية في اسبانيا سنة 1939 م - بتحريض خارجي، واستولت قوات الثورة على الحكم، ثم ظهرت حركة مضادة - بدعم خارجي ألماني بالدرجة الأولى أيضا. وأمكن إجهاض الثورة والقضاء عليها. واستمر حكم زعيم هذه الحركة المضادة لبلاده اسبانيا طوال أربعين عاما. عرفت أسبانيا خلالها الاستقرار، وقطعت مضمارة بعيدة في مجال الرقي والتطور (عهد الجنرال فرانكو). وكان من المحتمل لو استمر الاشتراكيون في الحكم أن تتطور اسبانيا بالمقدار ذاته، تبعا لتطور التقانة وتطور الزمن. وإذن فلا يمكن اعتبار الثورات هي برهان على التخلف أو التقدم بصورة ثابتة، ولا يمكن اعتبار هذه الثورات برهانا ثابتا أيضا على ضعف الدولة أو قوتها، كما لا يعتبر التحريض الخارجي عامة ثابتة في نجاح الثورات أو فشلها. إذ هناك عوامل كثيرة تدخل في صلب الهيجانات والاضطرابات الاجتماعية فتأخذ مساراتها تبعا لما يتوافر لها من الظروف الزمنية والمكانية الملائمة، وتبعا للظروف الداخلية والخارجية أي هذه القابلة للتحريض وتلك التي تمارس دور المحرض. غير أن التجربة التاريخية قد برهنت في معظم الحالات - وخاصة في الأزمنة الحديثة - أنه من المحال تحقيق أي نجاح ثوري أو تحرك جماهيري ما لم يكن مدعمة وبقوة كبيرة من

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٣١٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٣١٨٥