في المقاييس والمعايير، فهناك قيمة ثابتة وهي (الإنسان وما يتمتع به من الأمن والاستقرار والرفاه في مجتمع متماسك تسوده الفضائل. وقد كان الإنسان في الدولة العثمانية - الإسلامية بصورة عامة، موفور الكرامة والحرية و مضمون الأمن، والشواهد أكثر من أن تحصى، ودليل ذلك هو وقوف معضم الطوائف الدينية - إن لم تكن
كلها - إلى جانب الدولة العثمانية في كافة الأزمات. يضهر بالتالي أن للقوة. و كل قوة - مقاييسها الخاصة بها، ومعاييرها المميزة لها، وهي تمتلك الحرية لقياس الأمور مقاييسها ووزنها بمعاييرها، ولكن ذلك لا يعطيها (الحق في تعميم هذه المقاييس والمعايير وتطبيقها على كل الأحكام، في كل الأزمان، إذ لكل أيضا مقايسه و معاييره المناسبة له والملائمة لتكوينه. ولهذا فليس من حق الدول العظمى اتهام الدولة العثمانية (بالاستبداد، أو التخلف، أو الرجعية). ولقد بات معروفة اليوم، كما كان معروفا في الماضي وعندما استخدمت هذه المقاييس والمعايير ضد الدولة العثمانية - الإسلامية أن الدول الصليبية قد لجأت لتعميم هذه الأوصاف باعتبارها دولا معادية للإسلام وأهله. ولهذا لم تهتم الدولة العثمانية في حينه، بما قيل عنها وما اتهمت به، لمعرفتها عن قناعة بأنها براء مما ينسب إليها. وهي لم تكن في حاجة لمثل هذه التحديات حتى تطور نهجها باستمرار، وهي إذا أخذت ببعض ما هو موجه إليها من النقد الحاقد، فذلك من باب (التقية) من جهة، ومن قبيل الحاجة للتطوير المستمر وذلك حتى لو نفرض الدول العظمي مثل تلك التحديات، و إذن، فما بال هذه الأوصاف لا زالت محتفظة بكل قوتها وبكامل شدتها حتى الأزمنة الحديثة. بل ربما كانت في قوتها وشدتها اليوم هي أقوى مما كانت عليه في الماضي بحيث لم يبق من صورة الدولة العثمانية في أذهان الأجيال الحديثة إلا مواصفات (الاستبداد والتخلف والرجعية؟. أليس ذلك مثيرة للغرابة والدهشة؟ ثم ألا يؤكد ذلك مرة أخرى أن ما قيل، وما يقال، عن الدولة العثمانية الإسلامية ليس المقصود منه خلفاء العثمانيين أو الدولة العثمانية الإسلامية. وإنما المقصود هو النيل من الإسلام وأهله؟
إن ذلك لا يتنافى، ولا يتعارض، بداهة مع إمكانات توافر عناصر قابلة للتحريض الخارجي، ومستعدة للاستجابة له. بل إن ذلك لا يتنافى، ولا