في الأزمنة الحديثة، وفي ظل الدساتير والقوانين المعاصرة، اقتلاع شعوب بكاملها من جذورها وفصلها عن مواطنها كمثل ما اقتلع الشعب القوقازي من أوكرانيا والقرم أثناء عملية (الاشتراكية الزراعية) سنة 1933 - 1934 م؟ ثم ألم يقتلع الشعب الفلسطيني من جذوره وأرض أجداده و موطن عزه واستقراره، ولازال يقتلع من كل مكان في الأرض، بحجة حماية الكيان الصهيوني؟ والأمثلة بعد ذلك كثيرة، من افغانستان إلى باكستان إلى الفيليبين. بل وحتى داخل الأوطان العربية والإسلامية وفي الدول العظمى أيضا. وإذن فليست القضية هي قضية تخلف عن ركب الزمن، أو قضية استخدام مقاييس ومعايير قد تجاوزها العصر، طالما أن مثل هذه المقاييس والمعايير بقيت مستخدمة على نطاق واسع، وكلما دعت الحاجة، على مستوى الدول العظمي والصغرى، بأشكال ربما تكون أكثر تطورة وفاعلية وتأثيرة. وبأساليب ربما تكون أكثر تعقيدة وأشد وطأة ونكالا مما كانت عليه في الماضي المدان (بالعسف والظلم والاستبداد) فالقضية هي قضية ملاءمة هذه المقاييس والمعايير الأذواق الدول العظمي وأمزجتهم، أو بالأحرى والأدق - ملاءمتها لمصالحهم.
بريد الأقوياء أن يكونوا على حق، تلك هي المقولة التي نطق بها محمد علي باشا عندما علم بقيام روسيا وانكلترا وفرنسا بتدمير أسطوله مع الأسطول العثماني في (نافاران)، فالقضية ليست قضية مقاييس ثابتة أو معايير دقيقة يمكن استخدامها تحديد مقادير التقدم والتخلف، وإنما هي قضية مزاجية تتجاوز كل تقويم وتقدير، وترتبط هذه المزاجية بإرادة الدول القوية التي تريد أن تكون دائما على حق. ويكفي إلقاء نظرة على الأزمنة الحديثة، وأنظمة الحكم في العالم. فبينا تصدر الإدانات لنظام أو لأنظمة (بالرجعية والتخلف) وإذا بهذه الأنظمة تتحول - مباغتة - الى دول
تقدمية، متطورة) عندما تضمن للدول العظمى مصالحها. ولهذا ليس غريبا في ظل اضطراب المقاييس والمعايير أن يكون حاكم من الحكام، أو قطر من الأقطار (تقدمية ورجعية) في آن واحد، وأن يكون (متقدمة ومتخلفة) في ذات الفترة الزمنية، وذلك تبعا لزاوية نظر الدول العظمى - من خلال موشور المصالح والمنافع، لهذا الحاكم أو ذاك أو لهذه الدولة أو تلك. ولكن وبالرغم من الاضطراب الفاضح، والتباين المشين،