تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التشريع القضائي والقانوني، وفي مجال ضمان الحريات لكافة مواطنيها. وقد ظهر بوضوح أن هذه الحجة لم تكن إلا الوسيلة لتدخل الدول العظمى في الشؤون الداخلية للدولة العثمانية

هنا قد يكون من المناسب التوقف عند نقطة مثيرة وهي إقدام السلطان عبد الحميد على إعلان الدستور ثم قيامه بإلغاء الدستور وحل مجلس المبعوثان (النواب) ومجلس الأعيان (الشيوخ والاكتفاء بالنظام القديم القائم على (مجلس الشورى) للدولة. فلقد تبين من عرض الوقائع والأحداث أن السلطان عبد الحميد قد ذهب شوطة بعيدة على درب الاصلاح، وفقا لما تحتاجه البلاد من جهة، واستجابة لرغبات الدول العظمي وطلباتها من جهة ثانية. ولكن سرعان ما تبين للسلطان عبد الحميد والأجهزة الدولة أن قضية التحريض الخارجي، وتأليب الشعوب العثمانية ضد الدولة ليست قضية اصلاحات، بقدر ما هي ذريعة وحجة ومسوغا للإساءة إلى الدولة العثمانية وتدميرها من الداخل، بضمان الحماية لعناصر التحريض والتخريب بحجة (الحرية والقانون والدستور). فكان من حقه بصورة طبيعية أن يغلق النافذة التي يتسلل منها المخربون. ولا يعني ذلك بداهة الدفاع عن (الاستبداد) و (الحكم الفردي) و (الجور والفلم) وغير ذلك من القيم والمفاهيم التي ألصقت بحكم السلطان عبد الحميد، فهذه القيم و المفاهيم هي مما لا يتناسب في مقاييسه ولا في أشكاله لأزياء العصر الحديث، وابداعات الأزمنة المعاصرة. ولكن هنا يمكن التساؤل، وبعض مضي قرن ونصف القرن تقريبا على تلك الحقبة التي طواها الزمن: هل استطاعت الدول الحديثة في ظل القوانين والدساتير والأنظمة المتقدمة والمتطورة أن تتخلى عن الأساليب الناجعة لحماية دولها وشعوبها ضد التحريض الخارجي؟ وهل تسمح الدول المعاصرة بفتح أبوابها أمام أعمال التخريب أم تبادر إلى سحق كل ما يتهدد أمن البلاد والعباد بقسوة وحشية لم تبلغها أو تطاولها أساليب الأزمنة البائدة؟ وهل تمتع إنسان الدولة المعاصرة بقدر أكبر من تلك الحرية التي كان يمتلكها في أيام الحكم العثماني - الإسلامي؟ إنه لأمر محتمل جدا أن يكون بعض الأفراد - أو حتى بعض الجماعات والطوائف ? قد تعرضوا للعسف و الفلم بقدر أكبر مما يستحقونه، نتيجة تمردهم وثورتهم وتهديدهم للمجتمع والدولة. ولكن ألم يجر

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٣١٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٣١٨٢