تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من جهود. وهكذا وقفت الدولة العثمانية، وحدها، في مواجهة دول العالم المتحالفة في حلف غير مقدس، على امتداد قرن من الزمن، وهي تقاوم الضعف والانهيار، وتعالج الضعف والتمزق، بما لا تستطيعه يقينا دولة من دول العالم في القديم والحديث. فاي دولة هذه التي تقاوم الدنيا وقد تألبت عليها لتمزقها، وهي تتصدى بعناد لا مثيل له لاحباط ما يراد بها من شر؟ أليس بقاء الدولة العثمانية قرنا من عمر الزمن وهي في جهد وجهاد برهانا على ما كانت عليه الدولة العثمانية من القوة والصلابة والمنعة؟ وهل كان باستطاعتها المقاومة والصمود ولو لم تكن جبهتها الداخلية قوية ومتماسكة؟

هنا يبرز السؤال: إذا كانت الدولة العثمانية قد ضمنت الحريات الدينية والقومية، فكيف تفجرت الحروب الداخلية ضدها على جبهة أوروبا الوسطى - ما بين رومانيا والصرب واليونان والبانيا وبلغاريا؟ وإذا كانت العدالة متوافرة، فلماذا أعلن السلاطين العثمانيون برامجهم الإصلاحية في مراسيم متتالية. كان آخرها إعلان الدستور ثم إلغاؤه في زمن السلطان عبد الحميد؟.

هناك حقيقة لا مجال لانکارها أو تجاهلها، فإن التحريض الديني يبقى هو العامل الأقوى، بما يثيره من المشاعر العميقة، وبما يحرضه من العواطف والانفعالات. ولقد ارتبط هذا التعريض بوجود دولة قوية تستخدم هذا السلاح الفعال بكفاءة ومهارة. وقد حفظ التاريخ دور كل دولة من الدول الصليبية في هذا التحريض: سواء على جبهة روسيا القيصرية أو على جبهة الدولتين الاستعماريتين الكبيرتين فرنسا وانكلترا. ولم يكن تدمير الأسطول العثماني - المصري في نافاران (سنة 1293 ه = 1827 م) إلا نموذجا لذاك التعاون الصليبي غير المقدس ضد الدولة العثمانية - الإسلامية. وتجدر الإشارة هنا أنه في كثير من الحالات كانت الشعوب غير الإسلامية - المسيحية - والخاضعة للدولة العثمانية، قد رفضت التحريض الخارجي. وفضلت بقاءها تحت الحماية العثمانية. مما حمل الدول العضمى أو بعضها للتدخل والعمل المباشر - على نحو ما فعلته روسيا في حرب القرم (1854 م) وفي حرب (1877 م). وقد يكون ذلك برهانا كافية لدحض مزاعم الحاقدين الصليبيين عن تخلف الدولة العثمانية - الإسلامية في مجال

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٣١٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٣١٨١