الاجراء أعمال التطوير المطلوبة للمجتمعات، فقد أدى إلغاء الإنكشارية، على سبيل المثال، لإلغاء نظام الإقطاع الذي ارتبط بالإنكشارية، ولم يكن نظام الإقنان - العبيد - معروفة في المجتمع الإسلامي بمثل ما كان معروفة في روسيا القيصرية، وكان توزيع الضرائب أكثر عدالة في الولايات العثمانية مما كان عليه في الدول الكبرى. وعلاوة على ذلك، فإن الحريات: الدينية والقومية بقيت في الدولة العثمانية مصانة ومحمية بما لم يكن متوافر في أي دولة من الدول الأخرى، وليس أدل على ذلك من احتفاظ الولايات المسيحية - الأوروبية - بدياناتها ولغاتها وحتى بأجهزتها الإدارية الحاكمة وعاداتها وتقاليدها، وإذا ما كانت هذه الولايات قد أخذت عن العثمانيين مفاهيمهم الحضارية في المأكل والمشرب والمسكن وتنظيم الحياة الاجتماعية، فليس ذلك إلا من قبيل تقليد الأضعف للأقوى، ولاستحسان شعوب تلك الولايات لما عرفوه في التنظيم الاجتماعي للعثمانيين. وكذلك الأمر بالنسبة لمن أقبل على اعتناق الإسلام بعدما عرفوه فيه من الفضائل، ودلالة ذلك تمسك أعداد كبيرة من أبناء تلك الشعوب في الصرب والبلغار والألبان وفي الجمهوريات السوفييتية ذاتها بدينها الإسلامي، رغم ما تعرضت له من صنوف القهر وأنواع الضغوط المختلفة - السياسية والاقتصادية - مما لم يعرفه المسيحيون في المجتمع الإسلامي العثماني.
جاءت بعد ذلك الأحداث المتتالية والمتسارعة، من غزو نابليون إلى مصر، ثم الى حرب اليونان، ثم إلى حروب محمد على باشا، ثم إلى حرب القرم، ثم حروب الصرب والجبل الأسود، ثم الحرب مع روسيا وكل ذلك خلال نصف قرن تقريبي، أو أكثر قليلا، و معروف ما تتعرض له الدول بنتيجة الحروب من تدمير اجتماعي واقتصادي و سياسي، ومثال ذلك نتائج الحرب العالمية الثانية في تدمير أوروبا جميعها (انكلترا وفرنسا والمانيا)، فكيف بدولة احتملت أعباء هذه الحروب جميعها على جبهاتها الداخلية والخارجية؟ لقد عملت الدول العظمى على إفقار الدولة العثمانية واستنزافها، ثم جاءت لتحاسبها على تخلفها؟ وبالرغم من ذلك، فقد حاولت الدول العثمانية عند مجابهتها لكل أزمة معالجة ما ينجم عنها من عقابيل ونتائج سلبية، ولكن، وفي كل مرة، كانت الدول المتحالفة تصطنع أزمة جديدة، تهدر فيها كل ما يتم بذله