(الانتداب) وحرم الشعب العربي من كل حرية للعمل السياسي أو العمل العسكري. فهل من حاجة بعد ذلك للجدل أو النقاش في قضية باتت ظروفها واضحة كل الوضوح؟ وهل من حاجة بعد للبحث عن المسؤول بعد أن وضحت الأدوار وعرفت أسماء المسؤولين وهوياتهم وجنسياتهم؟. والأهم من ذلك هو البحث عن جدوى الجدل العقم في مسألة تجاوزها الزمن وأصبحت في ذمة التاريخ. فهل من فائدة في مناقشة قضية لم تعد تحمل اسم القضية ولا شكلها ولا مضمونها؟ ولكن، ومع ذلك، فإن إثارة الجدل واستمراره يحمل مضمونة رائعة، وهو البحث عن الذات في عصر الضياع والتمزق. فلقد جاء الانتداب) وجاءت الردة (الكمالية) لتترك الشعبين المسلمين في تركيا وفي بلاد العرب في حالة من التمزق والتشتت الذي لازال هو المهيمن وهو المسيطر على وجود الشعبين التركي والعربي. فلا عجب ولا غرابة إذن في مناقشة
قضية الخلافة) و (زوالها) لا باعتبار أن هذا الجدل هو لتقويم تجربة تاريخية، وإنما للبحث عن (الطاعة والجماعة) وللبحث عن (الوحدة في ظل الخلافة.
لقد أصبح المسلمون على كثرتهم، وبغياب الخلافة وما تمثله من (الطاعة والجماعة) غثاء كغثاء السبل، غرباء في ديارهم، وكلب عليهم أعداؤهم، و نهشوا منهم حتى العظم، ومع تزايد الألم، ومع تزايد المعاناة، يتزايد البحث عن (الذات) فهل من غرابة إذا ما تشابه المخاض العسير في كل أرجاء الوطن الإسلامي، من أقصى مشرقه إلى أقصى مغربه؟
لقد وجد المسلمون أنفسهم بعد أربعة عشر قرنا، وهم محرومون من (وحدة القيادة و إقرارا بالواقع، فقد جرت - منذ إلغاء الخلافة العثمانية - محاولات كثيرة البعث الخلافة بشكل أو بآخر، وفي قطر إسلامي أو في قطر آخر، ولازالت المحاولات مستمرة. وقد يكون من الصعب توقع انتهاء الجدل بشأنها. أما عن الذي عمل على إلغائها (مصطفى كمال أتاتورك) فهو ليس موضع جدل أو نقاش بعد أن أعلن ارتداده، وأوصى بعدم الصلاة عليه عند موته، لولا رجاء أخته وتوسلاتها للصلاة عليه في مسجد المسلمين. وسواء استغفر له المسلمون أم لم يستغفروا، فأمره الى الله، يحكم فيه حكمه الحق. فقد جهر بالكفر (وليس بعد الكفر من ذنب).