تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفنام الفادح أيضأ محاكمة خلفاء العثمانيين و إدانتهم بأحكام ومقاييس تتجاوز حدود مدة حكمهم الزمنية والمكانية. إذ لا بد من وضع أعمال هؤلاء الخلفاء واجراءاتهم في إطار الزمن الذي مارسوا حكمهم فيه. وقد ظهر من خلال العرض السابق، أن خلفاء العثمانيين كانوا يعملون جاهدين، وبصورة مستمرة، للتكيف مع ظروف حكمهم في إطار الزمن الذي عاشوه. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فقد كان القرار الأول والأخير هو في كلمة الحثيفة العثماني، غير أن (نظام الشوري) كان قائما باستمرار و كان الصدر الأعظم - رئيس الوزراء - ورجال الدولة، وشيخ الإسلام الذي كان يأتي في المرتبة الثانية بعد الصدر الأعظم، يمارسون دور هم بفاعلية وقوة، بحيث أنهم كانوا يعملون على خلع الخليفة وتنصيب من يحل محله إذا ما تطلبت مصلحة الدولة ومصلحة المسلمين ذلك، ولا ريب أن الخليفة، وكل خليفة، كان يضع وهو يضطلع بأعباء الدولة والحكم هذه الحقيقة نصب عينيه، مما كان يحفزه للاستقامة، هذا إن لم تتوافر له هذه الاستقامة أصلا. فهل عرف الغرب مثل هذا التنظيم المحكم (نظام الشورى)؟. وهل يمكن وصف خليفة الإسلام والمسلمين، بالمستبد، والجائر، والظالم؟. قد تكون القضية بعد ذلك هي قضية اختلاف في النهج والأسلوب، فإذا كان للأنظمة الغربية قوانينها الوضعية ودساتيرها، فإن للمسلمين قانونهم ودستورهم الأكثر أصالة الارتباطه بعقيدتهم الدينية، وللمسلمين أيضا نهجهم في الحكم والإدارة، ولا يعني فرض النهج الغربي على المسلمين أن نهجهم هو الأفضل أو الأمثل، بقدر ما يعني فرض إرادة الأقوياء على الأضعف منهم. فعندما كان المسلمون العثمانيون هم الأقوى، لم تكن دول الغرب الصليبية قادرة على توجيه سهام نقدها ضد النهج الإسلامي في الحكم والإدارة، ولم تكن حتى قادرة على اتهام النظام العثماني - الإسلامي - بالجور أو العسف أو الظلم، بل إن الأمر على النقيض من ذلك، فقد كانت الأنظمة الغربية المختلفة تحاول محاكاة النهج الإسلامي وتقليده. و كان ملوك الدول الأجنبية يتقربون من الخلفاء المسلمين - العثمانيين - في عصر القوة، ويبعثون إليهم بالوفود للتهنئة على انتصاراتهم.

وإذن فإن الاتهامات التي ألصقت بالخلفاء العثمانيين هي أشبه ما تكون باتهام

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٣١٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٣١٦٨