وفي اليوم التالي توجه عثمان باشا - متكئة على طبيبه الخاص - إلى حيث كان يقيم قيصر روسيا اسكندر الثاني - بعد دخوله مدينة (بلفنه). فلما دخل لمقابلته، نهض قيصر روسيا وصافحه وأعرب له عن اعجابه بكفاءته في تنظيم الدفاع وقيادته، ثم محاولة الخروج عبر الصفوف الدفاعية المحيطة بقواته. ثم قال له: «إني أرد إليك سيفك، تأكيدا لما أحله لك من الاحترام ومن التقدير لشجاعتك، وأجيز لك أن تحمله في بلادي». ثم أرسل في عربة خاصة إلى (مدينة خار کوف) (*) للإقامة فيها حتى انتهاء الحرب. وما تجدر الإشارة إليه هو أن القوات العثمانية عندما اضطرت للاستسلام، لم تسمح بأن تقع أعلامها وراياتها في قبضة القوات المعادية فعملت على إحراق بعضها، فيا عملت على دفن بقيتها في صناديق من حديد تم ايداعها في باطن الأرض - على أمل العودة تحت رايات النصر - في المستقبل - لاستخراجها.
عندما كانت هذه المعارك والتحولات تأخذ مساراتها على مسرح عمليات أوروبا، كان مسرح العمليات في آسيا يشهد أحداثة مشابهة، وتطورات مماثلة. فقد انطلقت القوات الروسية في هجوم شامن. حيث توجه جيش منها إلى مدينة (قارص) وحاصرها، فيما توجه جيش ثان الى مدينة (بايزيد) (**) لفتحها، فيما كان هناك جيش ثالث يقوم بمناورات استعراضية وهدفه الاستيلاء على مدينتي أردهان و باطوم (1) وقد نظمت هذه الجيوش التعاون فيما بينها، فأمكن لها الاستيلاء على (أردهان) في يوم 17 - أيار - مايو - 1877 م. ثم استولت على مدينة بايزيد بعد ثلاثة أيام، وخاضت بعدئذ معركة ضارية ضد القوات العثمانية، وانتصرت عليها في يومي 20 و 21 حزيران - يونيو .. وأثناء ذلك كانت القوات العثمانية غير النظامية - الجيش الشعبي - تتجمع على الحدود. ولم تلبث أن احتلت مرتفعات
(*) خار کوفي: (CRACOVIE = KARROW) مدينة بولونية تقع على نهر الفستولا (VISTULE)
(**) بايزيد. وتعرف اليوم باسم دوغو بايزيد: (DOGUBAYZIT) مدينة تقع في شرق الأناضول بالقرب
من الحدود الإيرانية، إلى الجنوب الشرقي من مدينة قارص.
(1) باطوم: ميناء على شاطئ البحر الأسود - وهو ومدينته اليوم في الاتحاد السوفييتي، وتقع أردهان في
البلاد التركية - الى جنوبها الشرقي. كما تقع قارص الى الجنوب الشرقي من أردهان.