المحاكمات، فسلطت السفينة (سيکلوب) مدافعها على جدة. واستمرت في إطلاق قذائفها لمدة عشرين ساعة.
وكان في نية القبطان الانكليزي متابعة القصف حتى تدمير المدينة تدميرا كاملا. ولكن وصول (اسماعيل باشا) وسفينته أوقف المجزرة. ونزلت القوات العثمانية ومعها القوات الانكليزية حيث تم إعدام المتهمين، ورجعت القوات الانكليزية إلى سفينتها.
لم تكن (جدة) على كل حال هي التربة المناسبة لاستقبال بذور الفتنة، نظرا لعدم وجود طوائف مختلفة يمكن استثمارها لمشاريع الفتنة وإثارة الاضطراب، بينما كانت لبنان هي التربة الصالحة لتحقيق الهدف. ولهذا لم يكن غريبا أن ينهض الموارنة للعدوان (سنة 1279 ه = 1859 م) فعملوا على اجراء مذبحة قتل فيها عدد من الدروز، وتبع ذلك - بالضرورة قيام الدروز للثأر والانتقام. ولم يلبث شرر الفتنة المتطاير أن امتد ليشمل جميع بلاد الشام، فكثر القتل والنهب، ووقعت المذابح في طرابلس وصيدا واللاذقية وزحلة ودير القمر ودمشق. وقام الأمير عبد القادر الجزائري و كبار رجال دمشق بحماية عدد كبير من المسيحيين. ووجه الأوروبيون اتهامهم إلى قائم مقام
حاصبيا واعتبروه مسؤولا عن تسهيل المذبحة، كما اتهموا والي دمشق (أحمد باشا) بمساعدة الدروز وقتل كل من لجأ إلى دار الحکومة - السرايا - من المسيحيين. وشنوا حملة إعلامية من الافتراءات والتحرضات في جميع أرجاء الدولة - تمويها وخداعة - للرأي العام الإسلامي المتعصب بحسب مزاعمهم. ولم يكن هدف هذه الحملة الإعلامية العالمية إلا إعداد الرأي العام الأوروبي قبل الإسلامي للتدخل، الذي قد يؤدي إلى
حرب مثل (حرب القرم) التي كانت ذكرياتها المريرة ماثلة أمام أنظار الأوروبيين بسبب قرب العهد بها.
كانت فرنسا، وقد بسطت نفوذها على الجزائر، وصار هدفها إضعاف روابط المسلمين بالدولة العثانية، هي أول دولة تطوعت للعمل، فأعلمت الدول الغربية أنها مستعدة لإرسال جيوشها لاحتلال بلاد الشام والقضاء على الفتنة وانزال العقاب مثيري الشغب، وتأمين الحماية للموارنة.