إذا لم تقبل الدولة العثمانية اقتراحاته الأخيرة، فإن الجيوش الروسية ستحتل ولايتي الأخلاق والبغدان، وتبقي فيها حتى تعود الدولة العثمانية عن إصرارها، وترضخ لطلبات الروسبا.
رفضت الدولة العثمانية هذا الإنذار الجديد، فقامت الجيوش الروسية باجتياح ولايتي الأفلاق والبغدان، بعد اجتيازها لنهر البروث الفاصل بين حدود الدولتين وذلك في 20 رمضان سنة 1299 ه = 21 تموز - يوليو - سنة 1853 م. وتبين أن قيصر روسيا (نيقولا الأول) قد أقدم على هذا العمل وهو على ثقة من أن الدول الغربية لن تعمل بجد لدعم الدولة العثمانية. كما كان على ثقة أيضا من أن امبراطور النمسا (فرانسوا جوزيف) لن يحرك ساكنا، نظرا لما قدمه له من المساعدة على قمع ثورة المجر (في سنة 1848 م). غير أن (فرانسوا جوزيف) وجد نفسه أمام مأزق صعب، إذ لم يكن باستطاعته التحالف مع الروسيا أو حتى البقاء على الحياد. وفاء لما قدمته الروسيا له من المساعدة في السابق، مع معرفته بمطامع الروسية التي لا تقف عند حد، كما لم يكن من مصلحة بلاده الوقوف بعيدا عن فرنسا وانكلترا. ولهذا وجد الحل الأمثل - بالنسبة له. هو في بذل الجهد للتوفيق بين الروسيا وبين الدولة العثمانية، والعمل على منع الحرب، فأعلن عن عقد مؤتمر في مدينة (ثيينا) برئاسة وزير خارجيته، وطلب الى الروس والعثمانيين الامتناع عن إعلان الحرب إلى أن يتم عقد المؤتمر، وأن تتوقف جيوش الدولتين على ضفتي نهر الدانوب. فوافقت الدول على طلبه، وتم عقد المؤتمر في شهر ذي الحجة (آب. أغسطس). وبذل ممثلو بروسيا والنمسا جهودهم للتحالف مع ممثلى فرنسا وانكلترا للتوفيق بين الطرفين المتصارعين، وتجنب إشعال فتيل حرب لم يكن من مصلحة أحد تفجيرها في وقت كانت فيه كافة عروش الأنظمة الملكية تهتز قلقة تحت ضغط الشعوب التي لا زالت تعيش في مناخ ثورة سنة 1848 م. ووصل المؤتمر بعد جلسات متتالية إلى صورة وفاق قبلته الروسيا نظرة الصياغته بعبارات غامضة تحمل تأويلات متناقضة، ورفضته الدولة العثمانية لهذا السبب ذاته، وهي التي تعرف أكثر من سواها أساليب الدولة الروسية وأهدافها. وانفض المؤتمر دون الوصول إلى حسم المسألة التي انعقد من أجلها، وتأكد الجميع من سوء نوايا