المسيحيين في البلاد العثمانية، ومضى السلطان عبد المجيد إلى ما هو أبعد من ذلك، فأعاد (رشيد باشا) إلى منصب رئيس الوزراء (الصدر الأعظم) وكان قد عزله من قبل إرضاء لروسيا، واستجابة لطلبها. فكان أول عمل قام به رشيد باشا هو رفض طلبات الأمير منشيکوف. فأرسل هذا انذارة نهائيا (بوم 29 رجب سنة 1299 ه = و أيار - مايو - 1853 م) تضمن تنفيذ مطالب دولته خلال خمسة أيام، فلما انقضت هذه المهلة ولما يصله الرد، عمل على تمديد مهلة الانذار لفترة ثمانية أيام أخرى. ولكن السلطان عبد المجيد أعلن عن رفضه للإنذار مع الإعلان باحترام حقوق الكنيسة الأرثوذكسية. فرد منشيكوف على ذلك بإعلان قطع العلاقات مع الدولة العثمانية. وغادر الأستانة على مركب روسي (بوم 17 شعبان = 29 أيار - مايو). ولم ينس قبل رحيله أن يوجه تهديدأ باستعداد القوات الروسية لاجتياح ولايتي الأفلاق والبغدان إذا ما استمرت الدولة العثمانية في رفض الطلبات الروسية. وقامت الدولة العثمانية بإبلاغ نص هذا التهديد إلى السفير البريطاني في الآستانة (اللورد ستراتفورد) فعمل هذا على نقل صورة التهديد الى حكومته التي أصدرت أمرها إلى أسطولها بمالطة بالانضمام إلى الأسطول الفرنسي، والتعاون معه. وأصدرت الحكومتان البريطانية والفرنسية أوامرها إلى أسطولها بالتوجه الى مضيق الدردنيل، وتقديم المساعدة للدولة العثمانية إذا ما تطلب الأمر. ووصلت سفن الأسطولين إلى خليج (بزيکا) (*) في 22 رمضان - 18 حزيران - يونيو، من السنة ذاتها.
كان وزير الخارجية الروسية (المسيو دي نسلرود) (1) قد عمل بعد مغادرة الأمير منشيكوف لمدينة الأستانة على توجيه انذار جديد إلى الباب العالي، وأبلغ صورته إلى جميع الوزارات وجاء فيه:
(*) بزيکا: مدينة لها خليج رحب نقع على مدخل مضيق الدردنيل، على شاطيء آسيا، وتبعد مسافة 275 کيلومترا عن مدينة الآستانة، ولهذا فهي ذات أهمية استراتيجية
(1) نسلرود: (CHARLES ROBERT - COMTE DE NESSELRODE) ديبلوماسي روسي، من مواليد الشبونه (1780 - 1892 م) كان ممثلا لقيصر روسيا في مؤتمر فيينا (سنة 1815 م) وعمل قطب من أقطابه، ثم مارس دورة أساسيا في توجيه السياسة الروسية خلال عهد الكسندر الأول - في عهد نقولا الأول (أي من سنة 1811 م حتى سنة 1859 م).