عمل ابراهيم باشا على إعادة تجميع قواته، ثم قسمها إلى مجموعات قتالية أسند قياداتها إلى القادة الذين عرف كفاءتهم عبر التجارب القتالية المتتالية، ثم شرع بتنفيذ عملية الجلاء، والانسحاب نحو مصر (في شوال سنة 1259 ه = منتصف شباط. فبراير - سنة 1840 م). وكانت رحلة العودة مثيرة للحزن، فقد تعرض الجند الأنواع المعاناة من جوع وتعب، فيما كانت قبائل البدو تنقض على مؤخرات القوات، وتنزل بها أفدح الخسائر، وبالرغم من ذلك، فقد استطاع سليمان باشا أن يضمن انسحاب مائة وخمسين مدفعة مع خيولها، بالإضافة إلى خيول الفرسان - السواري - التي ملك قسم كبير منها بسبب العطش وشدة التعب. وأما إبراهيم باشا وفرقته، فلم يتمكن من العودة إلى القاهرة عن طريق صحراء العريش، بسبب ما تعرض له وقواته خلال الإنسحاب من فلسطين على أيدي العصابات وقبائل البدو التي سيطرت على محاور تحرك القوات المصرية، واحتلت كافة الجسور القائمة على الأنهر، مما أرغم قوات ابراهيم باشا على الاشتباك طوال ساعات النهار من كل يوم. حتى إذا ما وصل ابراهيم باشا إلى غزة، وجد أنه فقد أكثر من ثلاثة أرباع قوته، علاوة على عدد كبير من الموظفين المدنيين الذين رافقوا وعائلاتهم الحملة للاضطلاع بأعباء إدارة البلاد. فكتب ابراهيم باشا إلى والده بطلب السفن اللازمة لنقله وقواته ومتاعها وذخائرها ومؤونتها إلى الإسكندرية. وجاء الأسطول المصري فنفذ عملية النقل بشكل رائع.
كان (الكومودور نابير) قد عرض على حاكم مصر (محمد علي باشا) ما تبذله الحكومة الانكليزية من الجهد لدى السلطان عبد المجيد من أجل اقناعه بإعطائه حكم مصر له ولورثته لو تنازل عن الشام، ورد الأسطول العثماني إلى الدولة العثمانية. فوافق
محمد علي باشا) على هذه الشروط. وتم بينها الاتفاق في 2 شوال سنة 1259 ه ه 27 تشرين الثاني - نوفمبر - سنة 1840 م. وقام السلطان عبد المجيد بإجراء مباحثات مع مندوبي الدول الأربعة الذين كانوا يعقدون مؤتمرة مفتوحة ومستمرة في مدينة (لندن) وصدر بذلك (مرسوم) أو (فرمان) أقر لمحمد علي باشا بحكم مصر. وورثته. وحدد شروط الحكم والإدارة (*).
(*) انظر قراءات 3 - في نهاية الكتاب و مرسوم منح محمد علي باشا حکم مسرار