وأعلمهم بما قرره الإنكشارية، فاستنكروه، وشجعوا السلطان محمود على المقاومة. فاستدعى ألوية المدفعية التي نظمها عقب تولينه. واستعد لقتال المتمردين. وأخرج الراية النبوية الشريفة - التي كان يتم إخراجها عند الخروج القتال الكفار. في صباح يوم الجمعة 9 ذي القعدة = 25 حزيران - بونير. وسار بجنود المدفعية تتقدمه الراية إلى ساحة (آت ميداني) حيث كان الثائرون في حالة هياج شديد. وتبعه كثير من العلماء والطلبة.
وما هي إلا فترة وجيزة حتى أحاطت المدفعية بالميدان، واحتلت جميع المرتفعات المشرفة عليه، وسلطت فوهاتها على الإنكشارية، وانطلقت مقذوفاتها من كل اتجاه. فخرج جميع جند الإنكشارية، وتوجهوا نحو المدافع لمهاجمتها والاستيلاء عليها، ولكن مقذوفات المدافع مزقت تجمعاتهم. شر ممزق. فحاولوا العودة للتجمع في ثكناتهم، غير أن مقذوفات المدفعية كانت قد دمرتها وأشعلت فيها النيران. فلما كان اليوم التالي أصدر السلطان محمود مرسومة (فرمانة) بإلغاء تنظيم الإنكشارية و إزالة اسمهم وشاراتهم، وإبطال ملابسهم واصطلاحاتهم، من جميع أقاليم الدولة العثمانية، ونودي بذلك في الشوارع. وصدرت الأوامر الى جميع الولايات بالبحث عن كل من بقي منهم وإعدامه أو نفيه إلى أطراف البلاد حتى لا تبقى منهم باقية. ومن ثم شرع السلطان محمود في إعادة تنظيم الجيوش، وعين لجنة من كبار الوزراء لتطبيق هذه الإصلاحات وتنفيذها، وعين (حسين باشا) الذي اضطلع بالعبء الأكبر في إبادة الإنكشارية، قائدا عاما للجيش، وبذل السلطان و مستشاريه جل اهتمامهم لتطوير الجيش الجديد، فلم تمض السنة حتى أمكن تنظيم عشرين ألفا، وجرت الاستعدادات لرفع هذا العدد حتى مائة وعشرين ألفا في السنة التالية.
غير أن الروسيا لم تترك للدولة العثمانية فرصة لإكمال تنظيم قواتها والمفي قدمة في تنفيذ إصلاحاتها، إذ أنها بمجرد إعلانها الحرب على الدولة العثمانية في 11 شوال سنة 1343 ه = 29 نيسان - ابريل - سنة 1828 ه. أمرت جيوشها التي كانت منتظرة ومتأهبة على الحدود، باجتياز نهر (بروث) الذي كان يفصل بين حدود الدولتين، واحتلت مدينة (باش) عاصمة البغدان، ولم