مصر نهضة سبقت بها بقية أقطار العالم الإسلامي. وكان وقوع الأخطاء الكثيرة أمرة ملازمة لعمليات البناء المتسرعة.
كانت الحركة الوهابية قد اكتسبت في هذه الفترة قدرة كافية لفرض سيطرتها على الجزيرة العربية وباتت تهدد بالزحف على بلاد الشام. وخشيت الدولة العثمانية خطر هذه الحركة الإصلاحية التي أرادت العودة بالدين الإسلامي إلى مناهله ومصادره الأساسية (كتاب الله وسنة رسوله) وتطهير الدين مما علق به من البدع والضلالات. فأصدر السلطان محمود إلى (محمد علي باشا) وقد بات يمتلك أكبر قوة، بمحاربة الوهابيين وانتزاع مكة المكرمة والمدينة المنورة من قبضتهم. وأرسل إليه مرسومة (فرمانا) بذلك في ذي القعدة سنة 1222 ه = كانون الأول - ديسمبر - سنة 1807 م. فقرر (محمد علي باشا) ارسال قواته عن طريق البحر الأحمر، حتى يتجنب تحرك القوات على الطرق البرية الوعرة والصعبة، ونقلها من مصر إلى ميناء (ينبع). وأقيمت مصانع السفن في (بولاق) وحمل إليها الخشب من جميع جهات القطر المصري، فكان يتم بناء السفن في بولاق، ثم تحمل من هناك على ظهور الحال إلى السويس، ويتم تركيبها بعدئذ بسهولة.
ولكن كان على (محمد علي باشا) وقد فرغ من حشد قواته وتجهيز السفن أن يتخلص من طائفة المالية، التي بقيت تشكل قوة كافية تهدد مشاريعه. فأقام حفلا في القلعة يوم الجمعة و صفر سنة 1226 ه = أول آذار - مارس - سنة 1811 م. لتسليم ولده (طوسن باشا) المرسوم (الفرمان) بتقليده قيادة الجيش المتوجه لحرب الوهابيين، وتسليمه السيف الذي أهداه إليه السلطان محمود.
وجاء قادة الماليك جميعهم إلى القلعة في موكب منتظم، ولما دخل الجميع من باب الغرب، والمحشروا في المضيق الموصل منه إلى الباب الأوسط، أغلقت الأبواب، وأطلقت عليهم نيران البنادق من خلف الأسوار ومن أعلاها، حتى قتلوا عن آخرهم. وكان جند محمد علي باشا قد انطلقوا أثناء ذلك لنهب منازل قادة المماليك، وقتل من تخلف منهم عن الحضور. ثم أرسل إلى عماله في الأقاليم بقتل جميع الماليك القاطنين