تنظيم ثمانية ألوية كاملة العدد والأعتدة والتجهيزات.
لقد جاءت حملة نابليون بونابرت على مصر لتشكل نقطة التحول الحاسمة في حياة الدولة العثمانية، فقد أثارت هذه الحملة رياح الثورة العاتية، إذ أنها أظهرت ضعف الدولة العثمانية في مواجهة القوى الجديدة التي برزت على المسرح العالمي. لقد تعرضت الدولة العثمانية من قبل لعدد من الهزائم، غير أنها كانت قادرة في كل مرة على إعادة تنظيم قواتها والعودة لاحراز نصر كبير يزيل ما لحق بها من هزيمة أو فشل. ولكنها في هذه المرة لم تعمل وحدها، بل عملت معها الروسيا وبريطانيا، مما جعل للدولتين المذكورتين ولسواهما دورة أكبر في التدخل بشؤون الدولة الداخلية. وقد انعكس ذلك على شكل حرکات تمرد عنيفة كان مسرحها أرض أوروبا.
ولقد أفادت مراكز القوى في الدول العظمي الناشئة من التناقضات الداخلية الكامنة في التنظيم الإداري للدولة العثمانية، ذلك أن هذه الدولة قد اعتمدت منذ فتوحاتها المبكرة للأقاليم الأوروبية على ما يمكن تسميته (نظام الإدارة المحلي) فتركت لكل اقليم أن يحكم نفسه بنفسه، وتحت قيادة أمرائه المحليين الذين يتم انتخابهم من صفوفهم و بحيث تتم إدارة الحكم بحسب عادات أهل الاقليم وشرائعهم، واكتفت الدولة العثمانية بفرض جعل أو خراج محدد لدعم الخزانة المركزية للدولة، مع اقطاع الفرسان الصبايحية (السباه) اقطاعات يعيشون منها. وبذلك احتفظ أهل البلاد بلغتهم ودينهم ولم يتم دمجهم وربطهم دينية ولغة بالدولة العثمانية. وكان بالمستطاع أن تعتنق الجماهير الواسعة في أوروبا الدين الإسلامي، وأن تتبنى اللغة العربية لو استقرت الأمور، غير أنه ظهر من خلال العرض السابق أن التحريض الخارجي، والحملات الصليبية المتتالية، قد حرمت الأقاليم الأوروبية من نعمة الاستقرار الذي بفسح المجال البناء المجتمع الإسلامي. وزاد الأمر سوءا من جراء عسف ملتزمي الاقطاعات وظلمهم في جبايتهم للخراج، مما ساعد على تفاقم النقمة، وتكوين المناخ المناسب للتحريض الخارجي. فلا نشبت الحرب الأخيرة بين الدولة العثمانية من جهة والروسيا والنمسا من جهة ثانية، انضم عدد كبير من أبناء الصرب إلى الجيش النمساوي، وانتقلوا إلى بلاد المجر. فلا وضعت هذه الحرب أوزارها، عادوا إلى بلادهم وقد اكتسبوا خبرات قتالية جيدة،