تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم تكن ظروف الحرب ضد نابليون عندما اجتاح مصر هي المناسبة الوحيدة التي أبرزت مدى الحاجة لإجراء إصلاحات داخلية. فلقد تبين من خلال متابعة الأحداث أن الدولة العثمانية كانت متيقظة باستمرار لاستخلاص الدروس من كل تجربة نعيشها.

وكان السلطان سليم الثالث قد شرع في تنظيم الجيوش تنظيما جديدة وحديثة، غير أن الإنكشارية قاوموا هذه الإصلاحات العسكرية خوفا من أن تكون مقدمة لالغاء تنظماتهم. فلما مات الجنرال الفرنسي (دوبيت) سنة 1797 م، والذي كان قد استحضر للاشراف على التدريب في التنظيم الجديد، عمل الإنكشارية مع بعض العلماء المعارضين لكل أمر مستحدث لالغاء الفرق المنظمة حديثة. فما كان من أمير البحر (کو جك حسين باشا) إلا أن جمع ستمائة مقاتل منهم ونظمهم في كتيبة جديدة - على نفقته الخصوصية - وأجزل إليهم الهبات، مما شجع الشبان للانضمام إليها، فأخذ الإنكشارية في الوقوف أمام السرايا وقت تدريب الجند، للسخرية بهم والحزء منهم والتهديد لهم، غير أن حسين باشا تجاوز هذه الاستفزازات، وتابع العمل لتنفيذ مشروعه، فلما سار بونابرت من مصر إلى الشام، ارتحل هو بفرقته إلى عكا، فكانت القوة النظامية الجديدة في مقدمة القوات التي صمدت في الدفاع عن عكا، وكانت من أشدها بأسا على الجيش الفرنسي. فلا عادت من عكا، تحت ظل رايات النصر، أمر السلطان سليم الثالث أن تكون نفقة هذه القوة على الدولة، وأن يزاد عدد أفرادها، حيث ظهر بوضوح أهمية وفائدة النظام في حياة الجيش في مواجهة جيوش اوروبا النظامية. ثم انتهز فرصة وجود أكير قادة الإنكشارية بمصر - لقتال الفرنسيين - فأصدر مرسومة (خط شريف) بفصل المدفعية عن الإنكشارية، وتنظيمها على الطراز الأوروبي، وكذلك البحرية، مع إنشاء فوجين من الفرسان ولواءين من المشاة النظاميين، وحددت الآستانة قاعدة لهذه القوة، وأن يكون لها موسيقي عسكرية وإمام التعليم الدين وإقامة الصلاة. وأن يتم بناء معسكرين، وخصصت لها الموارد المالية الضرورية. ثم أصدر السلطان أمره إلى والي بلاد القرمان (عبد الرحمن باشا) بتنظيم عدد من الألوية وتدريبها على النظام الجديد، ولم تمض أكثر من ثلاثة أعوام حتى تم

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٩٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٩٥٩