بالمستطاع الاعتماد عليه في الحرب. كما أباح للمسيحيين بناء ما كان قد تهدم من كنائسهم في الأستانة، وعاقب بأشد العقاب كل من تعرض لهم في إقامة شعائر دينهم، فاستمال بذلك جميع مسيحي الدولة. وكانت نتيجة معاملته المسيحيين بالعدل والقسط أن ثار الروم من أمالي موره على حكامهم البنادقة، وطردوهم من بلادهم، لتعرضهم لهم في إقامة شعائر مذهبهم الأرثوذكسي، وإرغامهم على اعتناق المذهب الكاثوليکي، ودخلوا في حماية الدولة العثمانية طائعين مختارين.
ما إن شعر الصدر الأعظم (كوبريلي مصطفى باشا) باستقرار الجبهة الداخلية، والسيطرة على الجيش، حتى تولى بنفسه تبادة الجيش ومفي به للحرب، فاستعاد بسرعة مدن نيش رودين وسمندرية وبلغراد في سنة (1101 ه = 1990 ه). بينا کان خان القرم (سليم كراي) يخضع ثائري العرب، وبينا كان أمير المجر (نيكلي) يستعيد أيضا السيطرة على إقليم ترانسلفانيا. وبذلك أعاد (كوبريلي مصطفى باشا) بعض ما فقدته الدولة من المجد والسؤدد.
ولكنه ما عتم أن استشهد في معركة ضد النمساويين (سنة 1102 ه = 1991 م) وكان السلطان سلمان الثاني قد سبقه إلى دار الخلود، وخلفه (أحمد الثاني) (1). فبدأت الأطراف المتصارعة في الخلود إلى السكينة، وعرفت تخوم الدولة العثمانية نوعا من الهدوء والاستقرار - إلا من بعض الاشتباكات الثانوية .. وكان قيام البنادقة باحتلال جزيرة ساقز، سنة 1105 ه = 1994 م هو من أبرز أحداث هذه الفترة. وعندما توفي السلطان أحمد الثاني وخلفه (مصطفى الثاني) (2). أعلن بعد ثلاثة أيام فقط من بدء ولايته أنه سيقود الجيوش بنفسه، وسار باتجاه بولونيا، ومعه فرسان القوزاق، وانتصر على البولونيين في معارك متتالية، غير أنه كان لزاما عليه الانصراف من هذه الجبهة لمجابهة خطر أكبر
(1) السلطان الغازي أحد خان الثاني: (1053 - 1101 ه - 1643 - 1995 م) تولى السلطنة سنة 1102 ه = 1991 م) وكان السلطان الحادي والعشرين بين الخلفاء العثمانيين.
(2) السلطان الغازي مصطفي خان الثاني: (1079 - 1115 ه = 1994 - 1703 م) تولى السلطنة =