معاناته، وحملته على اتخاذ قراره باعتزال السلطة والحكم، وتنازل عن الملك لابنه محمد الذي لم يكن قد تجاوز الرابعة عشرة من عمره، وانصرف الى (آيدين) لينعم بالهدوء بعيدا عن هموم الدنيا
لم يتمكن السلطان مراد من البقاء في عزلته لأكثر من أشهر قليلة، إذ أن أنباء تحرك قوات الحملة الصليبية الجديدة قد حملته على التحرك سريعة لمجابهة الخطر الجديد، وفي الحقيقة، فإن التحرك لهذه الحملة كان قد بدأ منذ سنة 844 ه - 1440 م، عندما وجه البابا بوجينيوس الرابع الدعوة لمحاربة العثمانيين المسلمين، فاستجاب له جورج كستريونا - زعيم ألبانيا وهو الذي نشأ في كنف العثمانيين ورعايتهم باعتباره ابن ملك الصرب، وتظاهر باعتناق الإسلام، فعينه السلطان مراد حاكم على ألبانيا باسم (اسکندر بك) (1) وعندما وصله نداء البابا أعلن الثورة على الدولة العثمانية. وانحاز اليه ملکه وسيده (جورج - ملك الصرب) ووعد كل من البابا وملك أراغون بإرسال عشر سفن كبيرة، وتولى هونياد قبادة جيش المجر. لكن عقد هذا التحالف لم يلبث أن جمد بتوقيع صلح سكدين أو (سزيجيدين) في سنة 848 ها = 1944 م، إذ نص هذا الصلح على هدنة لمدة عشر سنوات. على نحو ما سبقت الإشارة إليه .. وظن السلطان مراد أنه يستطيع أن يخلد إلى السكون والراحة اعتمادا منه على هذه الهدنة، لكن البابا (بوجينيوس الرابع) أدرك أن هذه الهدية قد عطلت مشاريعه وأحبطت مخططاته، فمضى في تحريضه للمجريين لنقض الهدنة. وكذلك فعل الكاردينال (يوليان شيزاريني) الذي رافق الحملة باعتباره مندوبا عن البابا، إذ أعلن
(1) اسکندر بك هذا هو أحد أبناء أمير ألبانيا الشمالية جورج كستريو والذي أخذ السلطان أولاده رهينة وضم بلاد أبيهم إليه بعد موته. وأظهر اسکندر بك وهو الاسم الذي استعاض به هذا الابن عن اسمه السابق، الإخلاص للسلطان، فلا حانت الفرصة بانصراف السلطان مراد لحرب هونياد، أسرع اسکندر بك الى أق حصار (القلعة البيضاء) من دون ألبانيا، وحرف زعماء قبائل الألبان - (الارناؤوط) على الثورة، ونجح في ذلك، وحارب العثمانيين بضراوة، وانتصر عليهم في معارك كثيرة، غير أنه هزم هزيمة منكرة في معركة استمرت ثلاثة أيام في ساحة قوصوه سنة 852 ه = 1448 م. وهي ذات الساحة التي انتصر فيها مراد الأول على ملك الصرب لازار سنة 1389 م. وتوفي اسکندر بك هذا سنة 811 ه - 1959 م.