تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من انتظار ظروف أفضل لتطوير الصراع على هذه الجبهة المائية.

أصبح محمد بذلك هو الوريث الوحيد للسلطان بايزيد، بعد أن أزال من طريقه إخوته المنافسين له، وحمل اسم (السلطان الغازي محمد جلي) (1). فانصرف بكل جهده لإعادة تنظيم دولته داخلية، وإلى إحباط التحديات الخارجية، وكان لا بد قبل كل شيء من القضاء على مخلفات التدمير الذي تركته أعمال تيمورلنك، وكان باستطاعة السلطان محمد الإفادة من الظروف المحيطة به، إذ بينما كانت دولة المغول التتار تأخذ طريقها نحو التمزق والانهيار، كانت الدولة العثمانية تستأنف إعادة بناء قدرتها على طريق الصراع المتصاعد.

انتهج السلطان محمد سياسة جمعت بين الشدة واللين في تعامله مع خصومه ومناوئيه، وكانت مدة حكمه كلها حروبة داخلية هدفها القضاء على مراكز القوى المناوئة، واسترجاع الأقاليم أو الإمارات التي استقلت خلال مرحلة الفوضى التي أعقبت استشهاد السلطان بايزيد. ولما كان هذا العمل يحتاج إلى استقرار في العلاقات الخارجية، فقد حرص السلطان محمد على الإبقاء على تحالفه مع ملك الروم البيزنطيين، ورد له البلاد التي فتحها أخوه موسى، واستمر في الوفاء بعهوده حتى آخر حياته. وانصرف لاخضاع إمارة القرمان التي كانت قد استقلت وشكلت مرکزة رئيسة من مراكز القوى المضادة، فحارب أميرها وقهره، ولم يلبث أن عفا عنه عندما أقسم هذا على القرآن الكريم بأن لا يخون الدولة فيما بعد، ثم عاد فعفا عنه ثانية بعد أن حنث في يمينه. وكذلك فعل مع أمير أزمير (قره جنيد) الذي حاربه السلطان محمد وانتصر عليه، ثم عفا عنه، وتناسي ما وقع منه، وعينه حاكما لمدينة نيقوبوليس. على أن أخطر ما واجهه السلطان محمد هو تلك الحركة الدينية - المذهبية - التي اتجهت لمناصبة الإسلام العداء، وهددت الدولة

(1) السلطان الغازي محمد جلي (781 - 824 هے - 1379 - 1921 م) اعتبر بأنه هو خامس الخلفاء العثمانيين، باعتبار أن إخوته لم يستقروا طويلا في الحكم، ولم تتوافر لهم وحدة القيادة والسلطة، وكان له دور كبير وحاسم في إنقاذ الدولة العثمانية، وإخراجها من حالة الانهيار والسير بها قدمة على طريق المتعة والقوة، اشتهر بالتقوى والصلاح والوفاء، واعتمد على الرجال الأكفاء، واهتم بالعلوم والآداب والفنون.

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٨٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٨٠٠