سبق عرضه منذ بضع سنوات، والذي يقضي بدمج الطوائف الدينية العسكرية من أجل القضاء على المنافسة القائمة بينها، غير أنه اعتقد أنه من المحال القيام بعمل حربي في بلاد الشام ومصر في الوقت الراهن، ولكن بالمستطاع فرض حصار اقتصادي و مقاطعة تضر ضررا كبيرا بالمصالح التجارية للمسلمين وحكامهم الماليك. ولم يكن تنفيذ هذا الاجراء ممكن من الناحية العملية، إذ أن رخاء المدن التجارية ونماء ثروتها، سواء كانت مدنة إيطالية أو بروفنسالية أو أرغونية، إنما يتوقف على استمرار تجارتها مع الشرق. كما أن قدرة هذه المدن على الاحتفاظ بأساطيلها الكبيرة في البحر الأبيض المتوسط، إنما يرتبط بدوره باستمرار التجارة مع المشرق الإسلامي، فإذا ما ضعفت قدرة هذه الأساطيل، صار باستطاعة أساطيل المسلمين استعادة سيطرتها على البحر الأبيض المتوسط بيسر وسهولة. والأهم من ذلك كله هو أنه لم يكن لدى الفرنج ما يصدرونه إلى الشرق - سوى أسلحة بصنع الشرق ما هو أفضل منها - بينما كانوا يستوردون من الشرق معظم ما يحتاجونه. وهكذا أضحت التجارة يومها أقوى من سلطة البابا نقولا الرابع الذي مات كمدة بعد أن خاب أمله في كل جهوده.
لم يعدم الغرب رجالا عرفوا حلاوة استثمار الحماسة للحرب الصليبية، فراح هؤلاء في النفخ في رماد الحرب والدعوة لها. غير أن هؤلاء الدعاة لم يكونوا كأسلافهم قبل قرنين من عمر الزمن: متشردين أفاقين أو مفلسين، بل كانوا دعاة مثقفين، ألفوا الكتب والعجالات كي يبرهنوا على ضرورة ارسال حملة مقدسة، وانفرد كل مؤلف بخطة التسيير الحملة.
لعل أول الدعاة في هذا المضمار راهب فرنسيسكاني اسمه (فيدنتشيو بادرا) كان البابا قد أوفده في السابق مرات عديدة في سفارات دبلوماسية، مما أتاح له الطواف في اقاليم كثيرة في الشرق، وأصدر عجالة سنة 1291 م بعنوان (كتاب عن استعادة الأرض المقدسة) (*) وأهداه إلى البابا نقولا الرابع. واشتمل بحثه على دراسة عن تاريخ البلاد المقدسة، مع مناقشة قضية الجيش الذي يجب أرساله لاستردادها، والطرق
(*) (LIBER DE RECUPERATIONE TERRA-SANCTE)