عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر وما طغي، صلى الله عليه وسلم، وعلى خليفته الصديق السابق إلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان. وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن. وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك، ومكسر الأصنام وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.
تهنئة وتغبيطة للحاضرين بما يسره الله على أيديهم من فتح بيت المقدس، الذي من فضائله ومآثره أنه أول القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، و إليه أسري برسول الله
و من المسجد الحرام، وصلى فيه بالأنبياء والرسل الكرام، ومنه. كان المعراج إلى السموات، ثم عاد إليه، ثم سار منه إلى المسجد الحرام على البراق. وهو أرض المحشر والمنشر يوم التلاق. وهو مقر الأنبياء و مقصد الأولياء وقد أسس على التقوى من أول
ثم ذكر تمام الخطبتين، ثم دعا للخليفة الناصر العباسي، ثم دعا للسلطان الناصر صلاح الدين، وبعد الصلاة جلس الشيخ زين الدين أبو الحسن بن علي نجا المصري على
كرسي الوعظ بإذن السلطان، فوعظ الناس. واستمر القاضي ابن الزكي يخطب بالناس في أيام الجمع أربع جمعات، ثم قرر السلطان للقدس خطيبة مستقرة، وإمامة برسم الصلوات الخمس. وأمر أن يعمل له منبر. فقيل له إن نور الدين - زنكي - كان قد عمل بحلب منيرا أمر الصناع بالمبالغة في تحسينها وإتقانه. وقال: هذا قد عملناه لينصب بالبيت المقدس، فعمله النجارون في عدة سنين، لم يعمل في الإسلام مثله. فأمر باحضاره فحمل من حلب، ونصب بالقدس. و كان بين عمل المنبر و حمله ما يزيد على عشرين سنة. وكان هذا من کرامات نور الدين وحسن مقاصده رحمه الله. ولما فرغ صلاح الدين من صلاة الجمعة تقدم بعمارة المسجد الأقصى، واستنفاذ الوسع في تحسينه وترصيفه وتدقيق نقوشه. فأحضروا من الرخام الذي لا يوجد، ومن الفص المذهب القسطنطيني وغير ذلك مما يحتاجون إليه، قد أدخر على طول السنين، فشرعوا في عمارته، ومحوا ما كان في تلك الأبنية من الصور.