قصة ذلك اليوم المشهود - كما وردت في التراث:
كان صلاح الدين قد أقام بظاهر عسقلان حتى فتحها، وبث السرايا في أطراف البلاد المجاورة لها، ففتحوا الرملة والداروم غزه ومشهد ابراهيم الخليل عليه السلام وتبنين وبيت لحم وبيت جبريل والنطرون، وأرسل إلى مصر - بواسطة الحمام الزاجل - يستدعي اسطوله الذي سار فور وصول الاستدعاء، في جمع من المقاتلة بقيادة مقدم الأسطول الحاجب - حسام الدين لؤلؤ. وهو معروف بالشجاعة والشهامة وبين النقيبة، فأقام الاسطول في البحر يقطع الطريق على الفرنج، كلما رأي لهم مركبة غنمه، وشانية أخذه. وسار صلاح الدين عن عسقلان إلى القدس. وكان بها البطرك المعضم عندهم، وهو أعظم شأنا من ملكهم، وبها أيضا صاحب الرملة باليان ابن بيرزان وكانت مرتبته عندهم تقارب مرتبة الملك. وبها أيضا من خلص من فرسانهم من حطين وقد جمعوا وحشدوا، واجتمع أهل تلك النواحي وغيرها، فاحتشد في القدس كثير من الخلق يرون جميعا أن الموت أيسر عليهم من أن يملك المسلمون القدس ويأخذوها منهم، ويرون أن بذل نفوسهم وأموالهم وأولادهم هو بعض ما يجب عليهم من أجل الدفاع عن القدس وتحصينها، فعملوا خلال تلك الأيام بما وجدوا إليه سبيلا. وصعدوا على سور القدس، بحدهم وحديدهم، مجتمعين على حفظها والدفاع عنها بجهدهم وطاقتهم مظهرين العزم على المناضلة دونها بحسب استطاعتهم، ونصبوا المنجنيقات ليمنعوا من يريد الدنو منها والنزول عليها. ولما اقترب صلاح الدين منها، تقدم أمير في جماعة من أصحابه غير محتاط ولا حذر. فلقيه جمع من الفرنج قد خرجوا من القدس فقاتلوه وقاتلهم فقتلوه وقتلوا جماعة ممن معه، فأهم المسلمين قتله، وفجعوا بفقده، وساروا حتى نزلوا على القدس منتصف رجب، فلما نزلوا عليه، رأي المسلمون على سوره من الرجال ما مالهم وسمعوا لأهله من الحلبة ومن الضجيج من وسط المدينة ما استدلوا به على كثرة الجمع.
وبقي صلاح الدين خمسة أيام يطوف حول المدينة لينظر من أين يقاتله، لأنه في غاية الحصانة والامتناع، فلم يجد عليه موضع قتال إلا من جهة الشمال، نحو باب عمود أو كنيسة صهيون. فانتقل إلى هذه الناحية في العشرين من رجب، ونزلها، ونصب