تلك الليلة المنجنيقات، فأصبح من الغد وقد فرغ من نصبها ورمي بها. ونصب الفرنج على سور البلد منجنيقات ورموا بها، وقوتلوا أشد قتال رآه أحد من الناس، كل واحد من الفريقين يرى ذلك دينة وحتة واجبة فلا يحتاج فيه إلى باعث سلطاني، بل كانوا يمنعون ولا يمتنعون، ويزجرون ولا ينزجرون. وكان خيالة الفرنج كل يوم يخرجون إلى ظاهر البلد يقاتلون ويبارزون، فيقتل من الفريقين وممن استشهد من المسلمين الأمير عز الدين عيسى ابن مالك، وهو من أكابر الأمراء، وكان أبوه صاحب قلعة جعبر، و كان يصطلي القتال بنفسه كل يوم.
فانتقل إلى رحمة الله تعالى، وكان محبوبة إلى الخاص والعام. فلما رأى المسلمون مصرعه عظم عليهم ذلك وأخذ من قلوبهم، فحملوا حملة رجل واحد، فأزالوا الفرنج عن مواقفهم، فأدخلوهم بلدهم. ووصل المسلمون إلى الخندق فجاوزوه والتصقوا إلى السور فنقبوه وزحف الرماة يحمونهم، والمنجنيقات توالي الرمي لتكشف الفرنج عن الأسوار، ليتمكن المسلمون من النقب، فلا نقبوه حشوه بما جرت به العادة. فلما رأي الفرنج شدة قتال المسلمين وتحكم المنجنيقات بالرمي المتدارك وتمكن النقابين من النقب وأنهم قد أشرفوا على الهلاك، اجتمع مقدموهم يتشاورون فيا يأتون ويذرون، فاتفق رأيهم على طلب الأمان وتسليم القدس إلى صلاح الدين. فأرسلوا جماعة من كبرائهم وأعيانهم في طلب الأمان، فلا ذكروا ذلك للسلطان، امتنع من إجابتهم، وقال:
ولا أفعل بكم إلا كما نعلم بأهله حين ملكتمره سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة من القتل والسي وجزاء السيئة مثلها،.
فلما رجع الرسل خائبين محرومين، أرسل - باليان بن بيرزان - وطلب الأمان لنفسه ليحضر عند صلاح الدين في هذا الأمر وتحريره، فأجيب إلى ذلك، وحضر عنده ورغب في الأمان وسأل فيه، فلم يجبه إلى ذلك، واستعطفه فلم يعطف عليه، واسترحمه فلم يرحمه، فلما أيس من ذلك قال له:
أيها السلطان! اعلم أننا في هذه المدينة في خلق كثير لا يعلمهم إلا الله